هو القطب الكبير, الشيخ الإمام, الحبر البحر الهمام, وكهف الاسلام, العلامة ذو البصيرة النافذة الذي رفع الله قدره وأعلى ذكره وجعله رحمة من رحماته على خلقه وهو ناصر الملة حجة المريدين ومحجة المسترشدين يدعو الى الله على بصيرة وحكمة, الفاسي مولدا, الشاذلي طريقة, أبو عبد الله ,وأبو النصائح, محمد ابن محمد بن عبد الله بن معن الأندلسي, رضي الله عنه وأرضاه, المعروف قديما بمعن, والآن بابن عبد الله, وهو من ذرية يعقوب المنصور الموحدي, كومي السلف, من قيس عيلان, ابن مضر, كما ذكره جماعة من المؤرخين لدولتهم وهو الصحيح.
وذكر بعض الأعلام من المؤرخين وهو الشيخ أبو القاسم السهيلي أن محمد بن عبد الله بن معن شريف النسب, حسني إدريسي, من أبناء محمد بن القاسم بن إدريس. وكان الشيخ محمد بن عبد الله يوصي أولاده ألا يذكروا القول بالشرف, بل يُذَخِّرُونَهُ للآخرة إن كان, وهم على حفظ الوصية. وذكر في "المقصد" عن المهدي الفاسي أن ولده أبو العباس أحمد قال له يوما وهو في حالة فيض: "قيل لي -يعني غيبا- ما نسبك؟ فقلت: عربي, والله أعلم" وتجدر الإشارة أن الشيخ محمد بن محمد بن عبد الله الفاسي لا يمت بصلة القربى إلى أسرة أبي المحاسن الفاسي الفهرية إلا أن العائلتين لها أصول أندلسية.
ولد رضي الله عنه سنة 986هـ, 1578م, ونشأ في عفاف وأمانة, محفوظا بالله مَصونا, حَفِظَ القرآن في صباه بالقراءة على حرف نافع على الشيخ أحمد بن عثمان اللمطي وقرأ ما تيسر من أمهات الكتب وتصدى لطلب العلم فترة من الزمن حصل منه النصيب الأوفر وحُبِّبَتْ إليه عبادة الله تبارك وتعالى. ثم اشتغل بالتَكَسُّبْ وقد كان لأبيه أحد تجار فاس وأعيانها تجارة مهمة وثروة عظيمة.
وكان رضي الله عنه متعلقا بزيارة ضريح الشيخ أبو عبد الله محمد بن يعلى التاودي رضي الله عنه, دفينَ خارج باب الجيسة, والمتوفي سنة 580هـ, 1185م, حتى إذا بلغ أشُدَّه وبلغ حدود الثلاثين من عمره, حبَّبَ الله إليه علم القوم وجمعه بالشيخ أبي المحاسن يوسف الفاسي, فسلب له الإرادة, وألقى إليه قياده, وصرف أبو المحاسن عنان العناية إليه, إلى أن فتح له على يديه, وانتفع به انتفاعا كبيرا, وشرب منه مشربا عظيما وعلى يديه كانت له الولادة, وكثير من التربية والإفادة, وصحبه لمدة 4 سنوات إلى أن انتقل الشيخ يوسف الفاسي رضي الله عنه الى جوار ربه.
فأخذ بعده عن أخيه العارف بالله الشيخ عبد الرحمن الفاسي, فبقي في صحبته 23 سنة, وهو عماده في الطريق, وبه نال التهذيب وكمال التربية, وكان يخدمه بنفسه وماله.
وكان الشيخ عبد الرحمن الفاسي يعظم أمره, ويجل ذكره, ويُظْهِرُ جلالته وفخره, ويقول: "إنه من أرباب القلوب" وتارة: "إنه لا يوجد مثله في المشرق ولا في المغرب" وتارة أخرى: "إنه ليس تحت قرص السماء مثله". وتارة أخرى: "ما احتزم أحد بحزامه" وكان يقول فيه مرة عندما أساء بعض الناس إليه: "إنه كالشوكة بالطين" ومعنى ذلك, أن كل من أساء إليه تصيبه سهامه كما تصيب الشوكة من يمشي على الطين ولا علم لمن يمشي عليها بها.
لما انتقل الشيخ عبد الرحمن الفاسي ورثَ سِرَّه الشيخ محمد الفاسي رضي الله عنهما, إلا أنه بقي بداره مدة لم يُؤْذَنْ له في الانتصاب للدلالة على الله. وقيل إنه كان مأذونا, لكنه اختار الخمول وعدم الظهور والبقاء ببيته.
ثم إنه زار مقام الشيخ عبد السلام ابن مشيش رضي الله عنه, فتم له الإذن هناك, كما أخبر به عن نفسه, فلما عاد من الزيارة, جلس في زاوية شيخه يوسف الفاسي رضي الله عنه, وذلك لقربها من مسكنه بالمخفية, فأتاه الناس من كل جهة, وقال لهم: "إركَبوا هذه الرقبة, فقد هُـدِّدْتُ بالسلبِ, إن لم أخرج إليكم!" وتغرغرت عيناه بالدموع.
فتصدى حينئذ لإرشاد المؤمنين, وتربية المريدين, وكان يشير لخدمة الجن إياه, وحضورهم مجلسه, وكان يقول: "أول من يخدم المخصوص: الجن, لأنه أكْيَسُ من الآدمي".
وبقي في زاوية شيخه نحو 6 أشهر, وبعدها شرع في بناء زاويته التي بأقصى حومة المخفية, على ضفة وادي الزيتون, سنة 1038هـ, 1628م, وانتقل إليها بأصحابه, فتصدى لدلالة الخلق على الله, وينصح عباد الله, وينصر سنة رسول الله, ويحيي أمور الدين وقلوب المؤمنين بما منحه الله من المعارف والأسرار والبركات والأنوار, فأحيى الله به البلاد والعباد, ونفع به الحاضر والباد.
وأتاه الطلبة من كل جهة, فَعَظُمَ شأنه, واشتدَّت شوكته, وداع صيته, وبلغ المكانة الكبرى عند أصحاب الزمان, فلم يزده ذلك إلا زهدا وورعا وسيرا على طريقة الأسلاف. وتَخَرَّجَ على يده العديد من العلماء والطلبة, فلا طالبا للطريقة الشاذلية من بعده إلا وقد اخذها عنه أو عن عقبه.
وكان رضي الله عنه, كامل الأنوار والمحاسن, قوي الظاهر والباطن, عارفا راسخا, وطَوْدًا شامخًا, يُضْرَبُ به المثل في اتِّباع السنة النبوية وإحيائها, وانتشرت على يده أمورها, وأشرقت آياته المبينة بها, لا يمشي إلا وحده أو مع واحد فقط, ولا يتخذ في المسجد موضعا معلوما, ويسرع في مشيه, ويداوم غسل الجمعة... إلى غير ذلك من أحواله الموافقة للسنة. وكان قائما بمصالح الأمة, مجددا للدين, فكان جديرا لأجل ذلك أن يلقب بمحيي الدين, رضي الله عنه.
كان محبا لآل سيد المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم, واسع المعرفة, عالي المقام, قوي الحال, متصفا بكمال الإرث من رسول الله صلى الله عليه وسلم, على حالة الشيخ يوسف الفاسي, ونسخة منه في الكمال والتمكين.
وكان مواظبا على الأوراد, ويحض عليها وعلى الذكر والتلاوة ولو في المرض, ويحض على ذكر الله كثيراً, ويلقن ويحض الإكثار من "لا إله إلا الله" بلا عدد, قائما وقاعدا وراقدا, والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم نحو خمسمائة, والاستغفار, وكان رضي الله تعالى عنه يقول : "ينبغي الإكثار من الاستغفار, لا سيما في هذا الزمان" يعني لكثرة الخطايا والفتن, ويرجح في الاستغفار لطلب التوبة من الله: "رب اغفر لي وتب علي, إنك أنت التواب الرحيم". على: "استغفرُ الله وأتوب إليه" وكان ينهي عن ذكر أسماء الله لتحصيل الدنيا ويقول: "إن ذلك يعود على صاحبه بالخسارة والمضرة".
وكانت معظم نصائحه ووصيته ينهى كثيرا عن مخالطة الخلق عموما, فالعموم سموم, ومتفقِّرة الزمان خصوصا, أي المتصوفين ظاهريا, لقلة الصادقين الناصحين الدالين على الله بأقوالهم وأفعالهم. ويكثر من قوله: "الخير بالخلطة, والشر بالخلطة". كما كان ينهى عن مخالطة أبناء الدنيا والرؤساء, فتكلم يوما مع بعض الناس في ذلك, فكأنه فهم من ذلك الشخص أنه يقول: "فما بالك أنت تجالسهم وتتكلم معهم إذا أتوك؟" فقال له: "هذا الذي ترى ويتكلم معك كالحجر الأصم, أعمل به كيفما شئت, إنه يعمل في الأشياء ولا تعمل هي فيه" وكان يقول: "الذي يخالطنا, إن لم يحصل له شيء من إرث الحقيقة, حصل له صلاح دينه وزوالَ الغرة منه". وكان صاحب وقته, وفريد عصره ومَصره, تَصَرُّفَ مصالح المسلمين على يده, ويتصرف فيها بإذن من ربه, ويذعن له أهل الوقت من الولاة والقضاة وغيرهم.
وكانت له كرامات عديدة يطول ذكرها, ومؤيدات وخوارق رضي الله عنه. سأله يوما بعض أصحابه وقال له: "يا سيدي, هل رأيت النبي صلى الله عليه وسلم؟" فقال له: "نعم, رأيته, ومسح صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة على وجهي, ولذلك كل من رآني أحبني", وكان يقول: "قلت مرة لسيدي عبد الرحمن الفاسي: "إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يغيب عني طرفة عين؟" فقال لي: "ما الذي تشاهد؟ روحانيته أو جثمانيته؟" فقلت: "بل روحانيته", فسكت عني ثم سألني بعد أيام : "هل ذلك باق؟" فقلت له: "نعم يا سيدي, الصفة لا تفارق الموصوف", فسُرَّ بذلك وظهر البِشْرُ على وجهه".
وكان يُخْبِرُ عن ثمار الجنة وأحوالها كالمعاين لها, فيتكلم في ذلك بما لم يُسْمَعْ من غيره. ومما كان يذكر من ذلك: "أن المقروض وهو طعام معروف يُتَّخَذُ من لباب القمح بالسمن والعسل والزيت, فهو في الجنة بالشجر" أي من ثمارها.
كان يقول لأصحابه: "إذا عَرَضَتْ لأحدكم الحاجة, فليجلس أمامي مُضمِرا لها في نفسه, ولا يحتاج أن يذكرها لي". وكم قُضيت لهم ولغيرهم على يده من المآرب, وصرف الله ببركاته عن قاصديه من المضايق والمصائب, وكان يشير لانطواء الكون في قبضته في حالة الفناء, ويذكر الآية من سورة الزمر, الآية 67: "وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ" ثم يقول "ومن سلك هذا يعرفه", ويذكر في ذلك قول الشيخ عبد القادر الجيلاني: "وهي في قبضتي كفرخ الحمام" ويشير كثيرا لمقام البقاء. ويقول: "الشريعة ظاهرا والحقيقة باطنا". ويقول: "الشريعة حتى إلى الماء والرمل, والحقيقة حتى إلى الماء والرمل", يشير بذلك كله لنفسه, وأنه برزخ بين بحرين, بحر التشريع وبحر التحقيق. وفي بعض كلامه ما يشير لمجاوزته حال الشيخ ابن عباد, وأعظم بها شهادة, إذ هي شهادة العارف لنفسه, ولا أقوى منها. وكان إذا قال له أحد: إني أحبك. يقول له: " أَحمـد الله".
وأحواله وأوصافه ومعارفه وكراماته رضي الله عنه, أجل من أن تحصر, وقد أفردها بالتأليف الشيخ عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي, وكذلك أفردها بجزء الشيخ المهدي الفاسي, وسماه: (عوارف المنة, في مناقب سيدي محمد بن عبد الله محيي السنة) وترجمه في (المقصد الأحمد في التعريف بسيدنا أبي عبد الله أحمد) ترجمة واسعة, وترجمته أوسع من هذا. وترجمه أيضا في (ممتع الأسماع في ذكر الجزولي والتباع وما لهما من الأتباع) وأطال فيه بنحو الكراسة, وكذا ترجمه في (صفوة من انتشر من أخبار صلحاء القرن الحادي عشر) و(الروض العطر الأنفاس بأخبار الصالحين من أهل فاس), و(نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني) و(الزهر الباسم في أخبار الشيخ سيدي قاسم) ... وغير ذلك.
وبعد وفاته رضي الله عنه, ترك ابنه البار أبو العباس أحمد رضي الله عنه, الذي كان من أتباع أبيه, فلم يستطع أن ينال إرث أبيه من حمل مشعل الشاذلية, فاتفق العامة على أن وريث سر الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد الله معن, إنما هو صاحبه الشيخ الصوفي قاسم الخصاصي الذي كان من أتباعه, وقد لازمه مدة سنين, فتصدى الشيخ قاسم للدلالة على الله في الزاوية العبدلاوية مدة من الزمن إلى وفاته, وهو شيخ وارث سره, ولد شيخه أحمد بن محمد بن عبد الله رضي الله عنه.
كانت وفاته رضي الله عنه, بعد طلوع الشمس بنحو ساعة من يوم الأحد 3 من جمادى الثانية سنة 1064هـ, 1654م, ودفن عند الزوال بالقباب أعلى مطرح الجنة, قريبا من قبة الشيخ يوسف الفاسي, عن يمينها غربا, وبنيت على قبره قبة على شكل قبته, وقبره بها مشهور معروف, عليه دربوز يزار به, رضي الله عنه وأرضاه وخلد ذكراه.
قال في (الممتع): "وبقيت الدار مسدودة أياما حتى جازت أيام التعزية, لكيلا يجتمع الناس أو يبكي أحد بصوت" وفي "المقصد" عن سيدي أحمد بن عبد الله ولد صاحب الترجمة "إنه كان إذا زار والده المذكور بعد وفاته, يغيب عن حسه. ثم يرجع بالقرب", رضي الله عنهما, ونفعنا بهما آمين.
درويش العلاوي,
مدير موقع "أشأع" - أحباب الشيخ أحمد العلاوي
درويش العلاوي,
مدير موقع "أشأع" - أحباب الشيخ أحمد العلاوي

تعليقات
إرسال تعليق