أحمد بن عبد الله الفاسي

هو الإمام, الحبر الهمام, العالم بالله, والناصر لسنة رسول الله, ذو السيرة النبوية, والأخلاق المصطفوية, بحر التحقيق والعرفان, شيخ الطريقة وفارس الحقيقة, غوث الزمان, مجدد الدين بعد ذهابه على رأس القرن 11, القطب الواضح, والإمام الناصح, العارف بالله تعالى, الشيخ الصالح البركة أبو العباس أحمد بن أبي عبد الله محمد بن عبد الله معن الأندلسي الفاسي. ولد رضي الله عنه سنة 1042هـ, 1632م, ونشأ بحي المخفية بفاس.

كان رحمه الله من أعيان الطريقة, وأكابر أهل الحقيقة, على قدم السلف الصالح, والمنهج القويم الواضح, آية في السخاء والجود, وكرم الأخلاق, والزهد والعبادة, والتعطف على الضعفاء والمساكين, ومحبة آل البيت والعلماء والصالحين, وكان على قدم التجريد, صارما في الحق لا يحيد, نصوحا لعباد الله, لا يداهن أحدا, وحصل له من الحظوة عند أرباب الدولة وسماع الكلمة ما لم يكن لغيره.

أخذ عن والده وشيخه أبي عبد الله محمد تبركا وتأدبا واستفادة. وبعد وفاة والده رضي الله عنه سنة 1064هـ, 1654م, بينما لم يَتَعَدَّ عُمْرَ أحمد بن عبد الله 22 سنة, ولم يستطع أن ينال إرث والده من حمل مشعل الشاذلية. فاتفق العامة على أن وريث سر أبيه إنما هو صاحبه وخادمه الشيخ الصوفي قاسم الخصاصي الذي لازمه وخدمه مدة سنين. فبايعه الشاب أحمد بن أبي عبد الله, فَسَلَبَ له شيخه الإرادة, وخدمه أحمد أبي العباس الله خدمة لم يسمع بمثلها, وهو عمدته في الطريقة الصوفية وإليه ينتسب على التحقيق. ولازمه إلى وفاته رضي الله عنه.

وكان شيخه قاسم الخصاصي يشهد بخصوصيته وأشار أكثر من مرة أنه الوارث له, حيث قال له يوما: "أنا عبدك". وكان يوما آخر غائبا في حاله فجعل يقول: "تعالى خذ متاعك عني", يشير إلى وراثته لحاله وسره. وقال يوما وسط جموع الفقراء: "إن هذا الذي بهذه الزاوية لا يوجد مثله في البلاد", وكان يعنيه وأشار إلى أنه هو المقصود من الناس المجتمعين عليه. وقال: "لولا سيدي أحمد لم يجد أحدا إليَّ سبيلا".

بعد وفاة الشيخ قاسم الخصاصي رضي الله عنه سنة 1083هـ, 1672م, كان أبي العباس أحمد بن عبد الله قد بلغ سن الرجال الكُمَّلْ نحو الـ 40 سنة, فأحاط بإرث والده, والزاوية التي كان اجتماعه بها مع أصحابه, هي زاوية أبيه التي على ضفة وادي الزيتون, بأقصى حومة المخفية, بفاس الأندلس, فجدد بناءها ولذلك تنسب إليه, وكان قد سخر الله له أسباب المال, واستفاد منه كثيرا من عمله بالزرع والغرس والنحل, فما برح عن طريقة السلف بسببه قدما واحدا, بل تسلط عليه بالإنفاق في جانب الله, فلم يبق منه إلا ما به تقوم الأسباب بمقتضى الشرع, ولم يكن فيه موضع ترغيب إلا سلكه. ومما انفرد به في زمانه, أنه كان لا يدخل بذمته شيء من متاع الغير قلَّ أو جلَّ على أي وجه كان, وإن قصده أحد بهدية وغلبه الحياء عن ردها له, كافاه عليها بأضعاف مضاعفة وصرفها لغيره في الحين. وكان شديد الاتباع للسنة في نفسه وأهله, ولا يرتكب في داره أمرا لم ترد به, بل قطع عنهم جميع العوائد والتكلفات والزوائد, في أعراسهم ولباسهم وسائر أيامهم, كما كان عليه والده رحمه الله.

لقد كانت حياة الشيخ أبي العباس أحمد مليئة بالجد والاجتهاد والسعي في نشر العلم وقد تبحر في ذلك. ومع ذلك صحب العارف بالله أحمد اليمني, وقد كان هذا الأخير من أهل الطريقة القادرية, فأخذ عنه لكون شيخه قاسم الخصاصي تركه لم يُرْشَدْ, حيث قال له: "يأتيك من بعدي من يُكْمِلُك", فكَمِلَ به. فكان بينهما قرب كبير أكيد واتصال قوي شديد, وكان الشيخ أبي العباس يصله بأنواع الوصالات ويواسيه أعظم المواساة وأنفق عليه نفقة كبيرة, فأحسن إليه وبوَّأهُ مكانة رفيعة في زاويته, وجعل له مقاما في حي رأس الزاوية حبسا عليه وعلى عائلته يقيم فيها وتكون لأبنائه وذريته من بعده. وقال في (التقاط الدرر): "لم يدر المحققون الخادم منهما من المخدوم, ولا الشيخ من التلميذ, وكل من أقدم على ذلك فبمجرد التخمين والظن".

وكان الشيخ أحمد اليمني إذا الشيخ ذَكَرَ أبي العباس أحمد, أو ذُكِرَ بحضرته, أثنى عليه أحسن الثناء, وشهد له بالخصوصية التامة, وأعظم شأنه, وعرَّف بحقه. وكان كثيرا ما يصفه بالمجذوب, ويقول فيه: "إنه أبو يزيد البسطامي" وقال فيه يوما: "قدمه على رقبتي". وبظهور الشيخ اليمني أصبحت زاوية الشيخ أبي العباس أحمد محط أنظار طلبة الطريقة القادرية خصوصا وأنه كان ممن أذن له بالتصدي لتلقينها, فعرفت الزاوية بذلك شهرة كبيرة وقصدها الطلبة من كل الأرجاء وتخرج منها العلماء والشيوخ.

ولما قفل أبي العباس أحمد من الحج والزيارة, ومر بطرابلس, لقي بحوزها رجلا من الصالحين وهو الفقيه الرباني المكاشف أبي عبد الله محمد بن سعيد الطرابلسي, ولما وقع بصر هذا الشيخ على أبي العباس أحمد استعظمه جدا. وقال: لا إله إلا الله. ما أعظم صلحاء هذه الأمة! وقال بعد ذلك: لما أبصرته أولا, رأيته كأنه الشمس طالعة. وشهد له أيضاً بعد ما انفصل عنه بأنه من أهل الخصوصية الكبرى, وأنه من الأقوياء الفحول, ومن الأكابر, وأخبر بمقامه الخاص به وقال: إن أصحاب أبي العباس أحمد ينتفعون به أكثر مما ينتفع أصحاب غيره بغيره, وجعل يقول للفقيه الصوفي محمد بن عبد الرحمن الصومعي الهروي من أصحاب أبي العباس بعد ما شهد له لما تقدم, وكان أمامه: عليك به, عليك به! وقال فيه آخر مرة: أرجو الله أن يكون قطب زماننا. وأثنى على الشيخ أحمد اليمني أيضا, وشهد له بالخصوصية الكبرى, وذكر مقامه الخاص به. وقال: إن مقامه عيسوي, حكيم يضع الأشياء مواضعها. والشيخ أحمد بن عبد الله في مقام موسى. ثم أضاف: إنه ليس في المغرب مثلهما!".

وفي خلال فترة مشيخته, أقبل على الزاوية طلبة من سوس وتادلا والريف وجميع الجهات, فكانوا يقيمون بها ,ويَتَقَوَّتُونَ مما يُقَدَّمُ للطلبة بها, ومنهم من كان يَجْلِبُ أسرته معه من بلاد سوس أو تادلا, ومنهم من تَقَلَّدَ مناصب مهمة في المخزن. وكان علماء زمانه يقصدون زيارته ويُسَلِّمُونَ له ظاهرا وباطنا ويجلسون بين يديه كجلوس المتعلم بين يدي معلمه. وانتفع على يديه خلق كثير, وظهر له تصرف عظيم, ومهابة كبرى, فلا تراه إلا رأيت أسدا من أسد الله, قد عوفي من خوف الخلق, وكُفِيَ أَمْرَ هَمِّ الرِزْق, وأوتي من علم القلوب ما يشهد له الذوق الواضح والحال الراجح, فلا تخوض معه في فن من فنونه إلا أمتعك فيه, وله من قوة اليقين والدين ما لاحت ثمراته على كل من عاشره أو أوى إلى زاويته.

لقد استطاع الشيخ أحمد بن عبد الله أن يجمع الكثير من الأتباع والأشياع, وداع صيته بذلك إلى أن بلغ دار الحُكْمْ, مما جعله محط اهتمام أصحاب الزمان, وقد كان يُسَلَّمُ له أهل وقته ويُقَدِّرُونَه كثيرا, وكانت لهم به معرفة كبيرة فلا يجرؤ أحد على التكابر أمامه, أمثال القائد الروسي والمكنى بسفَّاح العلماء لِمَا ألحق من بطشٍ بالعلامة عبد السلام جسوس في قضية الحرَّاطين, فقد كان الروسي يتفادى التصادم مع الشيخ أبي العباس أحمد ويخشى شوكته, فكان دائما يخلوا سبيله ولا يحايله.

بعث السلطان المولى إسماعيل يوما كتابا إلى الشيخ أبي العباس أحمد عن طريق وزيره يطلب منه النصح والإرشاد والدعاء, فرفض الشيخ أبي العباس الجواب وتكرر ذلك مرات إلى أن يئس صبر السلطان من رد الشيخ. فبعث له بكتاب ثان كتب فيه عبارة "يا سبحان الله" مرات عديدة, ورغم ذلك لم ينل بذلك جوابا. فثار السلطان في وجه الوزير وهدده بالقتل والتعذيب إن لم يتمكن من إقناع الشيخ بالرد انحناءً عند رغبته, فهو الذي يقهر معارضيه ولا يجعل لهم الأثر وقد حدث له ذلك مع الكثير من العلماء. وبعد قرار السلطان الانتقام من الوزير في حالة غياب الرد, استنجد هذا الأخير بالشيخ أبي العباس أحمد ورجاه بأن يرد على الكتاب حفاظا لحياته, فرد الشيخ بكتاب كان مطلعه: "بلغني من الجواب خوف الفتنة, فمن توجه إليه السلاطين توجهت إليه الناس من كل البقاع, فإن كان طالبا للدنيا فتنوه عن دنياه, وإن كان طالبا للآخرة فتنوه عن آخرته" …. وبعد هذا الجواب اطمأن السلطان من جانب الشيخ وبلغ في نفسه المرتبة العليا, وتأكد أنه بعيد عن الأطماع لتحقيق مصلحة شخصية. ومن خلال هذا نال الشيخ أبي العباس مكانة رفيعة في قلب السلطان وباء بذلك المكانة الرفيعة عند أهل وقته.

وكان رحمه الله صارما في الحق نصوحا لعباد الله لا يداهن السلطان, فمن دونه سيَّان عنده في القريب والبعيد, وحصل له من الحضرة عند الدولة وسماع الكلمة ما لم يكن لغيره, وهو من أعيان الطريقة وأكابر أهل الحقيقة على قدم السلف الصالح والمنهج القويم الواضح آية في السخاء والجود والكرم.

وكانت له رضي الله عنه فراسة تامة وكشف عظيم, وظهرت على يديه كرامات, وأخبر بمغيبات يطول شرحها, ويؤدي إلى الملل تتبعها, وأوتي مقام الخلافة الباطنية وخطة التصريف, فكان يجلب ويدفع, ويضر وينفع, وينقص ويوفي, ويعزل ويولي على حسب ما صرفه فيه مولاه ومكنه منه وأولاه, وكله بإذن الله.

كان الشيخ أبي العباس أحمد يوما جالسا فوقف عليه رجل من بلد سوس فتكلم بلهجته وقال ما معناه: " أما بقيت في الدنيا مصابيح يقتبس منها الضوء", فترجم بعض الحاضرين ذلك للشيخ فقال له: "قد بقيت. ولكن من جاء يقتبس, أتى بفتيلة مبلولة", فقال له السوسي: "ماذا تقصد بالمبلولة؟ فقال له الشيخ: "لا أَقَلَّ من أن يَطْلُبَ المرء أو يترجى الولاية", فوضع السوسي يده على جبهته ساعة, ثم انصرف. ومعنى ذلك أن طالب التربية والمعرفة, إن كان هَمُّهُ الرغبة في أن ينال الشهرة والمقام، أو الجاه والمنزلة لنفسه، فإنه لا يكون بذلك مخلصًا في طلبه. وهذا الطمع في المقام يشبه "البلل" الذي يمنع الفتيلة من الاشتعال. والرجل السوسي أدرك أن كلام الشيخ يمس حالًا كان يجده في نفسه، فتنبه لذلك وراجع ذاته وسكت ثم انصرف.

توفي رضي الله عنه ضحى يوم الإثنين 3 جمادى الأولى عام 1120هـ, 1708م, وارتجت مدينة فاس لموته ودفن بقبة والده محمد بن عبد الله, رأسه عند رجليه خارج باب الفتوح وخلف وراءه ذرية صالحة خاصة ابنه محمد العربي الذي اتَّبَعَ نهجه وسار على طريقه وتخلق بخُلُقِه., وقبره مشهور يُزَار ويُتَبَرَّكُ به. رضي الله عنه وأرضاه وخلَّد ذكراه.


المصادر:

- (المقصد الأحمد في التعريف بسيدنا ابن عبد الله أحمد) للشيخ أبي محمد سيدي عبد السلام بن الطيب القادري. أتى فيه مما يتعلق بصاحب الترجمة بما لا مزيد عليه, مع فصاحة اللفظ, ونهاية التحقيق في العبارة, وفرغ منه قبل موت المؤلف فيه ما يزيد من عشرين عاما.
- (المقباس في فضائل أبي العباس) للفقيه الصوفي أبي العباس أحمد بن عبد الوهاب الوزير الغساني, وله أيضا مقصورة في مدحه وشرحها في سفرين.
- (الإلماع بمن لم يذكر في ممتع الأسماع) للشيخ الإمام العلامة الصوفي أبي عبد الله سيدي محمد المهدي الفاسي.
- (نسمة الآس في حجة سيدنا أبي العباس) لأحمد بن عبد القادر القادري المتوفي سنة 1133هـ / 1721م.
- وقيل في مدحه أشعار كثيرة, ولسيدي عبد السلام القادري ديوان مستقل في مدحه.
 
 
درويش العلاوي. 
 
 




تعليقات