الشيخ عدة بن تونس - تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

حول الظروف التي أُسست فيها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين, أضعُ بين يدي الباحثين الجزائريين شهادة أحد الشهود على تلك المرحلة, حتى تكتمل الرؤية التاريخية, وتتسع زاوية النظر بعيدًا عن القراءات المتجزأة أو الأحكام المسبقة. فإن تاريخ الأمم لا يُفهم بصوت واحد, بل بتكامل الشهادات وتقاطع الروايات وإن اختلفت زواياها.

قال الشيخ عدة بن تونس المستغانمي (1898م- 1952م) في (مجلة المرشد, عدد: 43, سنة: 1370هـ/1950م, نقلًا عن كتاب: تنبيه القراء إلى كفاح مجلة المرشد الغراء, ص: 180-181, جمعه وطبعه: رشيد محمد الهادي, حققه الأستاذ يحي برقه, المطبعة العلاوية بمستغانم, سنة: 1983م):

سألتني أيها الأخ الوجيه أن أذكر لكم كلمة عن تكوين "جمعية علماء الجزائر", فأقول لكم باختصار وبالله التوفيق:

إنها تكونت بسبب رجل يقال له السيد "عمر إسماعيل", وكان عضوًا بنادي "الترقي", وهو رجل من أوسط الناس عقلًا ووجاهةً, وما تكونت في فكرته فكرة تكوين "جمعية علماء الجزائر" لم يجد رجلًا أكمل تربية وأوسع بالًا من الأستاذ "محمد المهدي" محرر "جريدة البلاغ" يومئذ بالجزائر, فذهب إليه وتفاوض معه في فكرته التي لم تزل بيضة تحت جناحه, فتقبلها منه بقبول حسن, ثم عرضها على أستاذه الشيخ سيدي "أحمد بن عليوة" فاستحسنها منه أيضًا, ولكن مع شيء من التحفظ والحذر.

ولما تم الأمر كما ذكرنا, شرعت جريدة "البلاغ" يومئذ بتشييع الفكرة وتحبيذها, وكانت هي الجريدة الوحيدة من جرائد الجزائر التي نوهت بشأن تكوين "جمعية علماء الجزائر", وتمادت على عملها مدة من الزمن, إلى أن أجاب دعوتها ولبى نداءها جماعة من العلماء وذوي الفضل.

وقام السيد "عمر إسماعيل" مع أفراد ممن يشاركونه في الفكرة بتحرير "القانون الأساسي" للجمعية, وبعد الفراغ منه وترتيب مواده, تمت كلمة الجماعة على عقد اجتماع لتأسيس "الجمعية".

ونلمح هنا بأن الخصام كان شديدًا بين "الفئة الطرقية" و"الفئة الإصلاحية", فخشيت "الفئة الإصلاحية" أن تكون "جمعية العلماء" جمعية من "حزب الطرقيين", فحضرت في يوم الاجتماع عدة أفراد من "الإصلاحيين", وكان من بينهم: الشيخ "الإبراهيمي", والشيخ "العمودي", والشيخ "الطيب العقبي", والشيخ "أبو يعلى الزواوي", والشيخ "الزاهري".

وبالفعل قد تغيب الطرقيون عن ذلك الاجتماع, ولم يحضر منهم إلا ثلاثة أنفار من العلاويين, وهم: الأستاذ الكبير سيدي "أحمد بن عليوة", والشيخ "محمد المهدي", والشيخ "عدة بن تونس".

وبعد الفراغ من مدارسة "القانون الأساسي" تشكلت الهيئة مؤقتًا ل"جمعية علماء الجزائر", وكان الشيخ ابن باديس قد اعتذر ببرقية أنه مريض, ولكن لما عينته الجماعة رئيسًا للجمعية برئ من مرضه, وظل بالجزائر.

ثم تبين في تلك العشية نفسها أن الجمعية "جمعية المصلحين" لا "جمعية علماء الجزائر" التي كنا نرجو من ورائها إصلاح ذات البين بين "الطرقيين" و"الإصلاحيين", وكلما جاء يوم على "الجمعية" إلا وألبسها حلة جديدة من حلل الإصلاح حتى أصبحت "جمعية وهابية" مائة في المائة, لا تمت بصلة لأي مسلم من "مسلمي الجزائر" إلا من نهج نهجها وعمل بمقتضاها.

ولما بلغت المناوأة حدها من بين الفئتين, اضطرت فئة "الطرقيين" إلى تكوين "جمعية علماء السنة", وانفصل السيد "عمر إسماعيل" عن فئة "المصلحين" لما رآه منهم من الانقلاب وسوء النوايا, وأسسَ جريدته "الإخلاص" وجريدته "المعيار", وأذاقهم ألوانًا من الشتائم والسباب, وأكال لهم بالمكيال الذي عاملوه به, وانتهت الرواية على ذلك النمط, وبقي الخلاف قائمًا على قدم وساق بين "الطرقيين" و"الإصلاحيين" إلى اليوم, والله الأمر من قبل ومن بعد". انتهى.

 

منقول عن الأخ بوزيد بومدين.
 

تعليقات