هو الولي الصالح, الناسك الناصح, العارف الكامل, المحقق الواصل, المسن البركة المربي, أبو عبد الله محمد العربي بن أحمد بن محمد بن عبد الله معن الفاسي الأندلسي.
ولد رضوان الله عليه ضحوة يوم الأربعاء 9 ذي القعدة 1079هـ, 10 أبريل 1669م بالموحدة, فنشأ في شيم شريفة, وأوصاف منيفة, وآداب لطيفة, متحليا بقراءة القرآن, متجليا في مظاهر العرفان. اخذ الطريقة عن والده الشيخ احمد بن عبد الله الفاسي رضي الله عنه وعليه اعتمد وبه تربى ووقع له الفتح على يد أبيه, كما أخذ عن الشيخ أحمد اليمني رضي الله عنه الذي أخبر عن شأنه وما يؤول إليه أمره, فقال فيه في "المقصد": إن فيه الخير, وسيكون من الصالحين. فتهذب محمد العربي بتهذيب شيخه اليمني وتأدب بتأديبه, وأشرقت فيه أنواره وانتشرت فيه أسراره.
ولقد صدق الله خبره فيه, ترعرع في بيئة يغلب عليها طابع العلم والتدين والزهد والورع. فقد كان صاحب أحوال ربانية, ومواجد عرفانية, واقفا عند حده, جاريا على طريقة أبيه وجده, لابسا أثواب الخمول بعيدا عن الشهرة والرياسة وحب الظهور, طالعا في سماء الوصول, ملازما لداره لا يخرج إلا للزاوية, وشهود مشاهد المسلمين الحاجية. يحب السماع, ويتأثر طبعه بالطبوع في الانطباع, عظيم الصمت, لا يتكلم إلا فيما فيه فائدة دينية أو دنيوية, ولا يحب اللغو في الأقوال, ولا اللهو في الأفعال, مهابا معظما عند سائر الناس, ولا يركن إلا إلى السُلفيات, ولا يحب العلويات, ويجنح إلى الخراب وإلى أهل المسكنة والضعف.
أخذ الشاذلية والقادرية, ذكر ذلك تلميذه الشيخ علي الجمل, أنه أخذ عن أبيه الطريقة الشاذلية وعن الشيخ اليمني الطريقة القادرية. قال: وفيه التقى البحران: بحر الشاذلي, وبحر القادري. فقيل فيه مجمع البحور. لقد أحاط الشيخ محمد العربي بإرث أبيه الروحي وحمل مشعل العلم من بعده ولقن طريقته للعامة وأضاف عليها إضافات مما أخذه من الطريقة القادرية واجتهد في ذلك, كانت حياته مليئة بالجد والاجتهاد على نهج سلف الصالح ,فداع صيته وقصده الطلبة من كل مكان وعرفت الزاوية في عهده نهضة كبيرة.
له كلام عجيب في الطريق, وإشارات لطيفة مذكورة في كتابه, وكذا في كتب أصحابه وأصحابهم, منها:
- إياك أن تغفل عن التشريف والتعظيم لمن ظهر لك بعض الفتح على يده, لأن في التشريف والتعظيم للحرمة مفتاحا عظيما لزيادة الإمدادات والخيرات والأسرار والأنوار, لا تغفل عن هذا الباب, لابد وإياك!
- ما بلغنا الوصال, إلا نجد النصال.
- لا تكن عاشقا لأحد, لا تكن إلا معشوقا, وإن لم تجد بُدا, لا تعشق إلا من يعشقك.
- لا تطعم طعام حكمتك إلا لمن تجده في غاية الاحتياج إليه، وإلا فَدَسَّهُ ولازم الجحود، قال الله تعالى : {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة : 60], وفي هذا المعنى كان يوصي تلامذته رضي الله عنه ويقول لهم :
- اكتموا الحقيقة على جميع الخلائق غيرة عليها إلا على أهلها وقليل ما هم, ولا تعطوا الحكمة لغير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم.
قال الشيخ علي الجمل: سمعت شيخي العربي ابن أحمد الفاسي رضي الله عنه يقول:
- قال بعض العارفين : لو أتاني عربي بدوي يبول على ساقيه, لوصلته إلى الله من حينه, وأنا أقول : لو أتاني يهودي أو نصراني, لوصلته إلى الله من حينه. قال: سمعت هذا منه في حال عظيم ورد عليه.
من اقواله رضي الله عنه لتلميذه الشيخ علي الجمل:
- يا ولدي الدنيا ما اغنت مولاها قط, الغنى لا يكون الا بربها وخالقها فقط.
وكان يقول لتلامذته:
- يا أسفي على الجاهل الذي لم يعرف شيئا ويا أسفي على العالم الذي لم يعمل شيئا ويا أسفي على العالم العامل الذي لم يجمع بين العلم وفضل الجهل وبين خير العلم وخير البطلان, فمن وصل هذا المقام فطوبى له وحسن مآب.
وكان رضي الله عنه يقول: سمعت أبي يقول:
- مثل الذي يؤذي أهل النسب الشاذلي كمثل الذي يدخل يده في النيران فلا يخرج سالما أبدا وتهلك يده في حينه.
-وكان رضي الله عنه يتمثل بقول الشاعر أدب العبد تذلل والعبد لا يدع الأدب, فإذا تكمل ذله نال المودة واقترب.
-وكان رضي الله عنه وارضاه يتمثل بقول الشيخ الششتري رضي الله عنه فيقول :
- "لي حبيب انما هو غيور يظل في القلب كطير حذور اذا رأى شيئاً امتنع أن يزور".
كان له من الأتباع والأشياع الكثير ممن داع صيتهم من بعده وعلا شأنهم في الطريق, وتخرج على يده الكثير من الشيوخ والأقطاب ,منهم ولده الصالح أبو محمد عبد الله, والمحمدان: أبو عبد الله آمزاج, وأبو عبد الله البوعصامي, والشيخ الصالح أبو عبد الله محمد بن يونس الشريف الشريفي ثم الفاسي, والعارف بالله أبو الحسن علي الجمل العمراني الحسني, وهو من أجل تلامذته وأصحابه, صحبه ولازمه نحوا من 16 سنة وأخذ منه وانتفع به وفتح الله له على يده فبلغ بذلك الشأن العظيم, وسمع منه ورأى من الأسرار والمعارف, والحكم واللطائف ما لا يكاد ينحصر وإليه تنسب هذه الطائفة الجميلة التي كثرت في البلاد وعمت الأغوار والأنجاد.
فقد كان اتصاله مفخرة عند العلماء وكانت استشارته مرغوبة عند كل طالب حاجة أو السائر في مسار, وممن لقيه بفاس وتبرك به: الشيخ أبو العباس أحمد التجاني, ذكر ذلك في "جواهر المعاني وبلوغ الأماني", والشيخ أبو عبد الله محمد التاودي ابن سودة المرّي.
وذكر غير واحد, أن سنة وفاته 1166هـ, 1753م, وكانت جنازته حفيلة, حضرها أعيان فاس من علمائها وفقرائها ورؤسائها, وصلى عليه بقبره في روضة أبيه وجَدِّهِ المذكورين, وقبره بها معروف إلى الآن, خارج قبتهما بالمباح المتصل بها من ناحية القبة اليوسفية, وهو مزار متبرك به.
المصادر:
- "الروضة المقصودة والحلل الممدودة في مآثر بني سودة" لأبي الربيع سليمان الحوات الحسني.
- "سلوك الطريق الوارية في الشيخ والمريد والزاوية" لأبو عبد الله محمد المنالي الزبادي الفاسي.
- "نصيحة المريد في طريق أهل السلوك والتجريد", ويسمى أيضا "اليواقيت الحسان في تصريف معاني الانسان" للشيخ علي الجمل العمراني.

تعليقات
إرسال تعليق