زار قسِّيسٌ يسوعيٌّ الشيخَ العَلَاوِي, ونِيَّتُهُ الاتصالَ مع شيخٍ روحيٍ مسلمٍ والحديث معه. وفي لحظة وجوده بجانبه, تجَمَّد إحساسُه ولم يكن قادرا على التَفَوّهِ, ولو بكلمةٍ واحدة. بقي خمس عشرةَ دقيقةً مراقباً إيَّاهُ في صمتٍ تام. لم يتحمل أكثر وجوده قُبَالَ الشيخْ. فالتفتَ إلى الوراءِ وولى فاراً، ناسياً حِذَاءَهْ. ومع ذلك، لحقه بعضَ المريدين, الذين اعترف لهم. (كان لدي انطباعٌ, أنَّه هُوَّ المسيح الذي يجلس هناك, ولم أتَمكَّن مِنْ تَحَمُّلِ تَمْحِيصَهُ لي).
حسب التصوف, يرث الأولياء من أمة النبي محمد صلى الله عليه و سلَّم علوم الأنبياء ما قبل البعثة المحمدية من خلال الخاصية الجمعية للنبِّي صلى الله عليه و سلَّم الذي يحصي جميع المميزات النبوية السابقة, فوليٌ ما يصير في فترة ما أو طول حياته نوحِياً أو إبراهيمياً أو موسوياً أو عيسوياً, يستطيع في المقابل أن ينتقل من وراثة نبيٍّ إلى وراثة نبيٍّ آخر. هذه الوراثة تتفاعل كالوراثة التناسلية التي تطبع بمزاج محدد و قابل للظهور كلٌ من التصرف والأخلاق المتميزة للوليّ.
القصة تحمل معاني عميقة جدًا في التصوف وعلم الوراثة الروحية للأولياء. وتوضح جانبًا من العلاقة بين الأولياء وراثة النبوة، والتي هي واحدة من المفاهيم الجوهرية في التصوف الإسلامي.
الوراثة النبوية في التصوف:
الحديث عن وراثة الأنبياء في التصوف يُشير إلى أن الأولياء، بسبب مقامهم الروحي الرفيع، يرثون من الأنبياء صفاتهم الروحية وعلومهم، وهذا يعني أن الولي يمكن أن يمتلك سمات وأخلاقًا ومقامات نبوية دون أن يكون نبيًا في ذاته. هذه الوراثة الروحية تتفاعل وتظهر في مواقف الحياة اليومية لدى الولي.
في القصة، القسيس الذي كان في حالة من الرهبة أمام الشيخ العلاوي يمكن أن يُفهم من خلال هذا المفهوم من الوراثة الروحية. القسيس شعر بشيء غير عادي أمام الشيخ، وهو شعور يشير إلى الهيبة الروحية التي يمكن أن تنتج عن وجود وليّ من أولياء الله. هذا النوع من الهيبة ليس مجرد تأثير عادي أو مادي، بل هو تأثير روحي عميق، حيث تلتقي الأرواح وتتفاعل بشكل لا يمكن للأجسام أو العقول أن تدركه أو تصفه بالكلمات.
التفاعلات الروحية للأولياء:
الولي، وفقًا للتصوف، يمكن أن يكون في لحظة ما نوحيًا أو إبراهيميًا أو موسويًا أو عيسويًا، تبعًا للمراحل التي يمر بها في طريقه الروحي، وهذه الوراثة لا تُظهر فقط الأخلاق والصفات، بل قد تظهر أيضًا في تصرفات معينة أو مواقف حياتية يمر بها الولي.
مثال:
في هذا السياق، يمكن أن يكون الشيخ العلاوي في لحظة معينة قد ورث صفات نبوية من النبي عيسى عليه السلام، كما شعر القسيس، الذي عَبَّرَ عن انطباعه بأن الشيخ العلاوي كان يشبه المسيح في تلك اللحظة. وهذه تجربة إحساسية عميقة لا يمكن تفسيرها إلا من خلال الفهم الروحي والتصوفي، حيث يُشعر الإنسان، ولو بشكل لحظي، بوجود أثر نبيٍّ قديم في شخص الولي.
وراثة الأنبياء عند الأولياء:
هذه الوراثة الروحية تتعدى الفهم البشري التقليدي للنبي الذي هو رسول مُرسَل، إلى الوراثة الروحية التي تنتقل من وليّ لآخر. في كل مرحلة أو وقت من حياة الولي، يمكن أن يظهر عليه صفات نبوية متعلقة بشخصية نبي معين، وهذا التغيير في الوراثة الروحية هو الذي يجعله قادرًا على ممارسة أعمال نبوية متنوعة في أوقات مختلفة.
ما وراء الوراثة الروحية:
الوراثة الروحية هي أيضًا رمز للوصول إلى العلم الإلهي والحقائق الغيبية التي لا يمكن للإنسان العادي أن يكتسبها إلا إذا سلك طريق التطهير الروحي. حيث يمكن للولي أن ينقل الحقائق الإلهية من التجربة الذاتية، ومن هنا تأتي بعض من الحكمة العليا التي لا يستطيع العقل البشري أو المناهج التقليدية الوصول إليها.
الجوهر العميق للموقف:
عندما هرب القسيس من الشيخ العلاوي، كان في الواقع يواجه أبعادًا غير مرئية من الحقيقة الروحية التي أثارت في نفسه صراعًا داخليًا عميقًا. ربما كان يواجه الحق الإلهي الذي لا يستطيع عقله أو نفسه الفهم أو التحمل، وهو ما يفسر قوله بعد ذلك: "كان لدي انطباعٌ، أنه هو المسيح الذي يجلس هناك". إن الهيبة الروحية التي شعر بها القسيس هي مثال حي على الوراثة الروحية التي تجتمع في الولي وتجعله يُحاكي الأنبياء في مختلف مراحل حياته.
خلاصة:
القصة تحمل دلالة كبيرة عن الوراثة الروحية التي يمكن أن تنتقل من الأنبياء إلى الأولياء، وأن الولي، مثل الشيخ العلاوي، لا يعيش فقط في زمنه أو مكانه، بل يملك قدرة على تجسيد صفات وأخلاق أنبياء مختلفين في مسيرته الروحية. وبالتالي، تفاعل القسيس مع الشيخ العلاوي يمكن أن يُفهم على أنه تجربة روحية فاقت نطاق قدراته الذهنية والعقلية، وكانت بمثابة صراع داخلي مع الحقيقة الإلهية التي لم يكن مستعدًا لتقبلها في ذلك الوقت.

تعليقات
إرسال تعليق