هو العالم المحقق الذاكر الواصل القدوة الجامع للعلوم الشرعية واللدنية, والعارف بالله الشهير والشيخ المربي الكبير الشريف محمد بن محمد بن عبد القادر بن بومدين الوكيلي العلوي الحسني الإدريسي, الملقب بمولاي الباشا.
ولد حوالي سنة (1197هـ - 1783م) من أبوين كريمين وأسرة عريقة في العلم والصلاح والولاية, وأصل أجداده من ضواحي مدينة زرهون.
تعلم القرآن وحفظه منذ حداثته, وحفظ الحديث, ثم تفقه في علوم المذهب المالكي واللغة والرواية والحديث, وتضلع في هذه العلوم. وكان منذ حداثته, يتردد مع أبيه على الزاوية ومجالس الذكر والعلم.
وقد أخذ الطريق عن شيخ مشايخ عصره مولاي العربي الدرقاوي رضي الله عنه وانتفع به غاية النفع وهو عمدته في التصوف والتخلق بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم, وأخلص الجد والطلب والعهد, كما كان فانيا في الله محبا لشيخه وإخوانه حتى فتح الله على بصيرته.
قصة اجتماعه بشيخه وسبب اجتماعه في كتابه (الإشارة الكافية) فيقول فيه:
قصة اجتماعه بشيخه وسبب اجتماعه في كتابه (الإشارة الكافية) فيقول فيه:
وأعلم أن سبب دفعتي إلى هذا الشيخ الكريم رضي الله عنه ونفعنا بذكره, أني رأيت مناما قبل معرفتي له, كأني في جمع كبير من الصحابة والأولياء ولم أعرف منهم أحد سوى هذا الشيخ الكريم والسيد عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين, فقال السيد عمر رضي الله عنه: لم يبقى إلا جُّمَّاع المال وأحِبَّاء الرئاسة. والمراد مشيخة الوقت, والناس كلهم صموط سوى هذه المقالة التي تكلم بها السيد عمر رضي الله عنه. فتفرق ذلك الجمع ورأيت كأني ذاهب إلى بباب دار أحد الفقهاء من الذين أعرفهم وأنا متحزن من تلك الكلمة, فخرج ذلك الفقيه صاحب الدار فوجدني هناك وأراد الانبساط معي بالكلام فقلت له: دعني وشأني فإني سمعت من عمر رضي الله عنه. وأردت أن أحكي له ما سمعته من السيد عمر وإذا برجل جاءني من ورائي وقبضني من قفاي ودفعني دفعة كبيرة, فلما أردت القيام من تلك الدفعة دفعني دفعة أخرى, ثم أخرى, فقلت في نفسي لما رأيته, أكثر علي الدفعات لا يفعل هذا إلا الوالد لولده ولعله أبي لم يرد مني إفشاء ما سمعته من السيد عمر رضي الله عنه. فأنا كذلك وإذا به قد قال لي: البشير قدمه على قدمي. فعرفته حينئذ أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب بي وهو يكررها علي. فلما وصلنا لقرب دار ذلك السيد الذي ذكر الحبيب صلى الله عليه وسلم أن قدمه على قدمه, أخذ بي ذات يمين وقال لي: علي بن أحمد بن أبر قدمه على قدمي. فذهب بي إليه وهو قابض لي من قفاي وذهب بي مع زقاق ضيق إلى أن أوصلني لضريح في رأس كدية بيضاء عليه بناء لا يتعدى الضريح في العرض وطوله القامة أو قربها, فأجلسني بيده بباب بيت الضريح حتى تمكنت من الجلوس والحالة أن الباب مفتوح لجهة المغرب, فقال لي حينئذ قل كذا وكذا وأنا في أشد الرعب لم أحصي وجه الدعاء الذي قاله لي, فالتفتت إليه وقلت له: يا سيدي علي, يعني صاحب الضريح. فقال لي: علي بن أحمد بن أبر. فقلت حينئذ: يا سيدي علي بن أحمد بن أبر, توسلت إليك برسول الله صلى الله عليه وسلم, أو قلت سألتك برسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما استيقظت قبل إتمام الدعاء الذي كنت أريد قوله في الرؤية, فتحققت بعد ذلك بأن الدفعة كانت من الله ورسوله فاستبشرت بالخير إلى أن وفقت بفضل الله وكرمه إلى هذا الشيخ الكريم فكان إلى هذا الشيخ الكريم (يعني سيد مولاي العربي الدرقاوي) فكان أول ما أخذت الذكر الذي يلقنه لأصحابه عن خليفته الذي استخلفه بذلك وهو العالم الجليل والشريف الأصيل ولي الله تعالى خالنا وشيخنا سيدي محمد بن عبد القادر الملقب الأحمر الوكيلي ثم العلوي, فبقيت مدة إلى أن فُتِحَ لي باب المعاني على يديه. فذهبت أزور الشيخ سيدي ومولاي فأمرني بتجديد التلقين عنه فلقنني الذكر أيضا مشافهة منه إلي, فعلمت من ذلك أن الذي أخذت عنه أولا وهو البشير الذي أشار لي به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه قدمه على قدمه فهو سبب أول الفتح والتبشير لنا برؤية المعاني والشيخ الذي أخذت عنه ثانيا وهو الذي أجلسني على باب ضريحه وأمرت بالدعاء لديه والبناء الذي رأيته أنه لا يتعدى ضريحه يعلم منه وأنه فريد في مقامه لا يمكن أن يكون معه فيه أحد من أهل وقته رضي الله عنهم أجمعين والحمد والشكر لله تعالى رب العالمين.
وقبل انتقال مولاي العربي الدرقاوي رضي الله عنه, أدركته همة شيخه, فأذن له في التربية والإرشاد. وبعد انتقال شيخه رضي الله عنه إلى الرفيق الأعلى استمر عبد القادر الباشا رضي الله عنه في الدلالة على الله ودعوة الخلق إلى الخالق حيث بنى زاويته ببلاد "الخرّوب", فانتفع به خلق كثير وعلى رأسهم الشيخ محمد بن قدور الوكيلي الكركري رضي الله عنه. فكان عالما واعظا فقيها صوفيا ذاكرا, يدل الخلق على معرفة الملك الحق, وبرز للوجود بحرا زاخرا في العلوم اللدنية, والوعظ بالدليل والحجة والمنطق والبرهان, يزين ذلك إيمان قوي, وعقل راجح ولسان صدق, وقلم يدافع عن الإسلام وأهل التصوف والنسبة.
لا يعرف بالضبط عدد مؤلفاته سوى كتابه (الإشارة الكافية في معرفة شيخ التربية) وهو مخطوط يقع فيما يقرب المائتي صفحة, وهو كتاب قيم جليل القدر, كتب بأسلوب العلماء العارفين العاملين, والمربين الذين عانوا أصناف التربية, وفهموا التسليك والترقية وأصلوها, ومما يجب على المربي وما يجب على المريد, مدعما بآيات من كتاب الله تعالى وأحاديث نبوية شريفة, والحكم البالغة والموعظة الحسنة والمنطق والحجة والدليل.
ومن كلام مولانا عبد القادر الباشا رضي الله تعالى عنه كما جاء في كتابه "الإشارة الكافية":
اعلم أن أصل فروع المعاملات, ومبلغ المأمولات, وعلامة النجاح في النهايات, الرجوع إلى الله تعالى في كل النوائب, والاعتماد عليه في كل المطالب. فالاعتماد على الله من علامة المعرفة بالله, والاعتماد على النفس من علامات الشقاء والنحس.
ويقول رضي الله تعالى عنه: الناس في شهود النور على ثلاثة أقسام عامة وخاصة وخاصة الخاصة, فالعامة تكثفت زجاجة قلوبهم وتظلمت, فلا يروا من ورائها نورا لكثافتها وغمض طبعها, فهذا القسم هم أهل الطمس والعمى, فلا يعرفون حجابا ولا يراقبون محجوبا, فلو عرفوا الحجاب لراقبوا المحجوب, وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون.
والخاصة تلطفت زجاجة قلوبهم فتلطف الماء حتى رأوا النور الفائض من ورائها شعاعه. فهذا القسم هم أهل الفتح من الذين فتحت عين بصيرتهم, لكن لم يزل عن ناظرها سراب الآثار وغيم الأغيار, فكانوا يراقبون المحجوب من وراء زجاجة الحجاب, وخاصة الخاصة تلطفت زجاجة قلوبهم ورقت من شدة تلطفها وصفائها وتنورت بما فيها من النور حتى صارت الزجاجة كلها نورا قد عمها ما فيها من النور فلم ينظروا سوى النور لصحة ناظرهم. وهذا القسم هو الذي خصه تعالى بقوله "فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد".
فالعامة المحجوبون لا يشاهدون إلا نفوسهم في نفوسهم, وأعمالهم بعين بصيرتهم عمياء لا ترى, قد طمسها الحس وأعماها المحسوس.
والخاصة المقربون قد فتحت عين بصيرتهم لكن لم يصح ناظرها حتى تقدر أن ترى النور الحق من غير الحجاب فصارت نظرتها من وراء الحجاب.
وخاصة الخاصة المحبوبون صح ناظر بصيرتهم حتى رأوا نور الحق من غير حجاب وهذا القسم منهم من يشهد النور في عين الزجاجة الكونية فهو في رسوخ بعد التمكين ومنهم من يشهده عندها فهو في تمكين قبل الرسوخ ومنهم من يشهده قبلها فهو في تدلي في رجوع ومنهم من يشهده بعدها فهو في ترق في طلوع.
ويقول أيضا: لا مدخل على الله إلا من باب الفقر, ولا مدخل للفقر إلا من باب ترك الدنيا, وتركها صعب المرام لا سبيل له إلا بموت النفس, ولا سبيل لموت النفس إلا صحبة أهل النفوس الميتة الذين ارتحلت نفوسهم من عالم الحس إلى عالم المعنى.
وله رضي الله تعالى عنه أيضا شعرا جميلا يذكر فيه المعارف الأقدسية, فمن شعره رضي الله تعالى عنه أنه يقول:
غيبتني عن أرض الأشكال *** رقيتني منه لأسمى المعاني
رأيت المعاني في قبضة الأشكال *** رأيت الأشكال في طي المعاني
ما حجبتني معاني على صورة الأشكال *** ولا حجبتني الأشكال عن سر المعاني
أنت الظاهر في بهجة الأشكال *** أنت الباطن في سر كل المعاني
رأيت المعاني في قبضة الأشكال *** رأيت الأشكال في طي المعاني
ما حجبتني معاني على صورة الأشكال *** ولا حجبتني الأشكال عن سر المعاني
أنت الظاهر في بهجة الأشكال *** أنت الباطن في سر كل المعاني
انتقل رضي الله عنه إلى جوار ربه عام (1262هـ/1843م), مُخَلِّفًا تلميذه البار, الشيخ محمد بن قدور الوكيلي, والذي كان مولاي الباشا شيخه الأول, فكان وفيا لأستاذه وشيخه أصدق الوفاء قبل أخذه عن شيخه الثاني أبو عزة المهاجي رضي الله عنهم أجمعين.
ومن كرامته رضي الله عنه أن احد من الفضلاء رآه بعد موته رضي الله عنه في منامه يقول له: تعالى وغيِّر وجهة قبري, فإن ماء ملوية سوف يفيض ويرتفع صبيبه وسوف يتلف قبري. وهذا الشخص لم يكن يعرف أبدا الشيخ عبد القادر الباشا ولا مكان قيره, فجاء وبدأ يسأل حتى عرَّفوه بمكان دفنه. فذهب إليه وجمع الناس فأخرجوه من قبره. فلما أخرجوا جثته وجدوها كما كانت لم تتغيّر وكأنه توفي من حينه, فدفنوه في ضريحه المعروف الآن ببلده تاوريرت. وبعد أن أتموا دفنه من جديد فإذا بوادي ملوية يفيض كله ويتلف القبور التي كانت هناك. فكما حفظ الله عز وجل في حياته, حفظ الله تعالى جسده بعد موته رضي الله تعالى عنه.
المصدر :
- شموس العارفين في تقلب الساجدين لـ أحمد عبد السلام بلقائد والشريف محسن الحارث
- الإشارة الكافية في معرفة شيخ التربية للشيخ عبد القادر الباشا
تعليقات
إرسال تعليق