روايات-25- الشيخ العلاوي وأزمة القهوة

في سنة 1930, اجتاحت الجزائر أزمة اقتصادية خانقة, انعكست بوضوح على الأسواق التي بدأت تَفْرَغ تدريجياً من المواد الغذائية الأساسية. وكان من بين أكثر المواد ندرة في تلك الفترة, القهوة, تلك النبتة السحرية التي لم تكن مجرد مشروب, بل طقسٍ يوميٍّ مقدّسٍ يتقاسمه الجزائريون بشغف لا يوصف.

في قلب مستغانم, كانت الزاوية العَلاوية الكبرى تمر بأوقات عصيبة. النقصُ الحَّاد في المؤن الغذائية, بلغ ذروته, والقهوة, رمز الضيافة ورفيق التأملات الروحية, اختفت من موائد الزاوية.

ذات يوم, وبينما كانت الأزمة تخنق الأنفاس, خرج الشيخ أحمد العلاوي من خلوته, يسير ببطء بين أروقة زاويته, يتأمل الوجوه المتعَبة والقلوب المثقلة بالهموم.

لاحظ شيئاً غريباً في ملامح الحاضرين: المجردون, والمريدون, وحتى الزوار, بدت على وجوههم علامات الضيق, والاشمئزاز, كأن شيئاً ثميناً قد سُلب منهم. اقترب الشيخ وسأل مقدم الزاوية بصوته الهادئ ولكن الحازم:

ــ "ما بال القوم؟"

فأجابه المقدم بلهجة يغلب عليها الحرج:

ــ "سيدي... يشكون من غياب القهوة."

هنا, وقف الشيخ العلاوي لحظة, ثم رفع رأسه وخاطب الجميع بصوت جهوري, يشعّ بالقوة والعزم:

ــ "كل من يرى نفسه علاوياً, فلن يشرب القهوة من الآن!"

كانت تلك الكلمات أشبه بمرسوم روحي, لا يُناقش ولا يُرَّد. لم تكن مجرد دعوة للتقشف, بل كانت امتحاناً للصدق, ومدى التجرد من التعلّقات الدنيوية. ففي نظر الشيخ, أن تكون "علاوياً" حقاً, يعني أن تسمو فوق الحاجات, أن تروّض النفس حتى لا تتوق لما لا تملك, وأن تستمد قوتك من الداخل, لا من فنجان قهوة زائل.

 

(نجا الشاي من مرسوم المنع للشيخ رضي الله عنه)

تعليقات