وعبر دراسة تحليلية مكثفة، يكشف البحث للمتلقي كيف يقع القارئ العادي في أسر "الالتباس اللغوي" نتيجة محاكمة النصوص الصوفية بالمنطق الحسي وظواهر الألفاظ، بينما يُبنى هذا الخطاب أساساً على استراتيجية الصدمة المعرفية ومنهجية "قلب المألوف" لخلخلة الركود الذهني وانتشال السالك من أسر الرسوم والضمائر اللفظية إلى جوهر المعنى التوحيدي الصرف.
وتكمن قوة هذه الدراسة في إرساء قاعدة تأويلية حاسمة تبرهن على أن كلام الشيخ يفسر بعضه بعضاً، حيث يعيد المقام اللاحق في النهاية تفسير ما استغلق في البداية؛ فما يُعد غاية الإخلاص وطاعة للمريد في مقام العمل، قد يغدو حجاباً خفياً وآفة عند العارف إذا التفت العبد لطاعته وحصلت لديه اثنينية الذكر والشهود. كما يأخذ البحث بيدك ليفكك أرقى مستويات المعرفة والوجود من خلال ميزان دقيق يتأرجح بين "فناء العبد عن أنانيته وحوله" وبين عودته الرحيمة بمقام "البقاء بالله" لخدمة الخلق ومخالطتهم، ملتحفاً بأعلى درجات الأدب الشرعي المتمثلة في "إثبات الحجاب" والالتزام التام بالعبادات والتكاليف الظاهرة.
ويستعرض البحث بجرأة معرفية كيفية قراءة مفاهيم متباينة كالزهد في الجنة ترفعاً بالحب نحو المعبود، ومعرفة التنزيه من خلال التشبيه الذوقي السلوكي، وكيف يصبح كتمان الأسرار حراسة للحق وحماية لعقول العوام. إنها دراسة ممتعة ومستفيضة ترفع التناقض الظاهري لتثبت بالدليل والأثر أصالة المشرب الشرعي، وتبين أن غريب اللفظ وشطح العبارة هو في باطنه حراسة متينة لحمى الشريعة وسياجها الغراء.
درويش العلاوي

تعليقات
إرسال تعليق