قاسم الخصاصي

هو الشيخ الإمام, والعارف الهمام, منبع التوحيد, ومعدن التجريد والتفريد, بحر المعرفة الزخَّار, وغيث المدد الوابل المدرار, الواصل الكامل المحقق, المجذوب المقرَّب المستغرِق, ذو الإشارات العلية, والحقائق السنية, والمواجد الربانية, والإشراقات العرفانية, الملامتي: أبو الفضل قاسم بن قاسم الخصَّاصي الشريف الحسيني, اليمني ثم الأندلسي أصلا, الفاسي دارا ومولدا ونشأة وضريحا. وقولنا "الخصَّاصي", نسبة إلى خصَّاصة, مدينة على شاطئ البحر بجبل قَلْعِيَّة قرب مَلِيلِيَّة, ذات ميَّاه وأجنَّة, وهناك من أهل المنطقة من ينطقها غسَّاسة.

وآل الخصَّاصي أسرة يمنية شريفة حسينية, أقاموا بين قبائل الأزد باليمن, ثم انتقل بعضهم إلى الأندلس للجهاد مع المرابطين, واشتهروا بالعلم والصلاح. وبعد سقوط غرناطة سنة 897هـ, 1492م, هاجروا إلى المغرب بقيادة سيدي مسعود الخصَّاصي, واستقروا بخصَّاصة ثم انتقلوا إلى جبل قَلْعِيَّة, ومنها إلى فاس في عهد السعديين الأوائل. وقد تُوفي والد قاسم قبل ولادته, وكان معروفًا بالصلاح ورفعة النسب, كما ارتبطت والدته بالشيخ الحسن الجزولي, أحد أصحاب عبد الله الغزواني.

ولد رضي الله عنه بفاس سنة 1002هـ, 1594م, وبها تربى وتعلم. نشأ يتيم الأب, فربته والدته كذلك إلى أن شبَّ وبلغ الحُلُمْ. فكانت له صبوة وخلطة مع أتراب له من أهل حومته وغيرهم, كان هو يذكرها ويذكر ما صدر عنه من الأفاعيل بسببها, يُعَرِّفُ الناس بذلك فضل الله وإحسانه. ثم تعاطى لصناعة الحرير في حانوت له بسوق مولاي إدريس, وظل كذلك طيلة حياته, حتى بعد أن أخذ طريق القوم.

ثم هبَّت عليه عواطف التوبة, فألجأته إلى ضريح الشيخ القطب الربَّاني أبو المحاسن يوسف الفاسي من غير قصد له به, إذ كان لا يعرفه ولا يعرف اسمه, فناداه: "يا صاحب هذا القبر, إن كنت حقا وليا لله, فأسأل الله أن يجمعني بشيخ أخدمه لله, ولا يخدمه معي أحد غيري". فجمعه الله بعد ذلك بشيخه الأول, وهو: الشيخ مبارك بن عبابو, نزيل المدرسة المصباحية يومئذ, دفين خارج باب الجيسة, فلازمه, وانفرد بخدمته سنين عديدة إلى وفاته, وكان له أولَ فتح على يده. ثم انتقل إلى صحبة القطب الشيخ عبد الرحمن الفاسي رضي الله عنه, وهو شقيق القطب الشيخ أبو المحاسن يوسف الفاسي رضي الله عنه, فلازمه وبقي في صحبته وانفرد بخدمته نحوا من 10 أعوام, فسلب له الإرادة, وفتح له على يديه الفتح العظيم. وكان يقول له شيخه: "أنت لي ولست لأحد غيري", يشير والله أعلم بذلك أن فتحه كان على يده دون غيره, وكان يقول له أيضا: "أنت غريب, ليس لك أخ", يشير والله أعلم إلى أنه غريب في طريقه وعرفانه وتحقيقه.

ثم بعد وفاة شيخه عبد الرحمن الفاسي, صحب خليفته ووارث سرِّه, الشيخ محمد بن عبد الله معن الأندلسي الفاسي رضي الله عنه, وبقي في صحبته وانفرد بخدمته 26 سنة, وبه اكتمل له الفتح الرباني والمقام الصمداني. وهؤلاء الأشياخ الثلاثة هم عمدته وإليهم سلب الإرادة, كما ذكره هو عن نفسه. وقال يوما إنه لقي 26 شيخا أو نحوهم, 3 منهم صحبهم على سبيل التحكيم وسلب الإرادة, والآخرون لقيهم وتبرك بهم واستفاد منهم فحسب.

وقد بلغ الشيخ قاسم الخصَّاصي في صدق محبته للشيخين الوارِثَيْن, عبد الرحمن الفاسي, وخليفته محمد بن عبد الله الفاسي حدا قصِّيا, وبلغ في خدمته لهما حدًّا أقصى, الأمر الذي جعله يحظى لديهما بالعناية والاهتمام, ويرقى بفضلهما إلى المقامات العليا في الطريق, حتى لقد اعترفا له معا بتميُّزه عن غيره من أصحابهما في طريقه وعرفانه وتحققه, وبتفوقه في مضمار الطريقة, وبلوغه مقام العارفين فيها, ولاسيما من حيث خموله, وأحواله المائلة إلى الجذب والغيبة بشكل عام, وهذه هي صفة الشيوخ الكُمَّل في الطريق.

وكان قد أشار الشيخ محمد بن عبد الله الفاسي في وصيته لأصحابه قُبَيْلَ وفاته بعد أن جمعهم بالزاوية, حيث قال لهم: "إذا مِتُّ فإياكم أن تغترُّوا بالتزويق الظاهري", يريد بذلك أهل الظواهر, الخالية نفوسهم من الأحوال الربانية, مشيرا إلى أن الإرث في أصحابه بعده ليس في أهل الظواهر المتنامي في الطريقة, فرشحت العناية الإلهية لخلافته قاسم الخصَّاصي, أكثر أصحابه جذبا واستغراقا وغيبة وملامة وخمولا.

وكان للشيخ محمد بن عبد الله الفاسي أبناء توفوا جميعا في حياته, باستثناء أصغرهم, وهو أحمد بن محمد بن عبد الله, رضي الله عنه (والمعروف بأحمد بن عبد الله) الذي لم يكن قد تجاوز بعد الـ 20 من عمره, والذي بايع بدوره الشيخ قاسم الخصَّاصي وخدمه خدمة لم يرى مثلها, وأخذ عنه سرَّ أبيه وخلفه بعد انتقاله. وما فتح الله على يده من الأسرار, وما لاحت له من جانبه من الأنوار, وما طلعت به من الشموس والأقمار, ومن أسراره الباهرة وآياته الظاهرة وأرضاه, أنه كان إذا جلس أحمد بن عبد الله قدام شيخه قاسم الخصَّاصي, يغيب هذا الأخير ويستحي ولا يبقى له وجود ويغلب على وجهه الاحمرار حتى يصل إلى الزرقة. وبعد ذلك لم يبق شيءٌ من ذلك, بل صار يكلمه بأدب ووقار وتعظيم من الحضور. وقد خدمه أحمد بن عبد الله خدمة عظيمة فكان يقيم داره من كل ما يحتاج إليه قمحاً وإداماً وكُسوةً له ولأولاده ويتحرَّى في الإنفاق أنفس الأشياء ويخزن لهم كل ما يحتاجون إليه من ذلك ولا يدعهم من الضروريات ولا من التكميليات ولا من المباحات فيأكلون ويطعمون ويُنفق على أخت الشَّيخ وأولادها ويتعاهد الجميع. وكان الشَّيخ الخصَّاصي كثير الأضياف من الرجال والنساء فيُقيمهم في وقت المسغبة والصاع بخمس أواق فيقول "الليلة يبيتُ عندنا أصحابنا أو غيرهم" فيقول له أحمد بن عبد الله "نعم يا سيِّدي" ويقيمهم ممَّا يحتاجون إليه, وغرسَ له أجنَّةً بلمطة وبنى له دياراً ووهب لولديه داراً ورِثها عن آبائه هي الآن في مُلك أولاد الشَّيخ وزوَّجه وزوَّج بنيه وبناته وذلك كُله مُقرَّر ومبسوط في "الإلماع" و"المقصد". والحاصل إنَّ خدمته له أمرٌ خارقٌ للعادة ممَّا تقصُر عنه الإفادة وذلك كله من بركة الشيوخ الفاسيين.

قُبَيْلَ وفاة الشيخ محمد بن عبد الله الفاسي رضي الله عنه, قال له قاسم الخصَّاصي: "إن أغلبية الفقراء يقولون إنك إذا مِتَّ فإنهم سيرجعون إلى زاويتهم", أي زاوية الشيخ عبد الرحمن الفاسي رضي الله عنه, فقال له شيخه محمد بن عبد الله: "وأنت هذه زاويتك". فكانت إشارة إلى ما يؤول إليه من استخلاف الله له في ذلك الموضع, وأنه سيكون بها طول عمره إلى مماته, وتوليه التربية والإرشاد لإبن شيخه, وصية منه.

وبعد وفاة الشيخ محمد بن عبد الله الفاسي رضي الله عنه سنة 1062هـ, 1652م, بقي قاسم الخصَّاصي يتردد إلى زاويته مع من بقي بها, غير متميز عنهم بشيء نحو العامين. فاجتمع الفقراء يوما يتحدثون متحيرين, كيف السبيل إلى معرفة وارثه, بينما الشيخ قاسم الخصَّاصي معهم, فقال لهم: "ها هو السَبْعُ في وسطكم, ولكن من فيكم من يتفطن له ويستخرجه؟", وكان قد لاحت عليه دلالات الخصوصية وإشارات الخلافة المحمدية, حتى تَصَدَّرَ للتربية والتلقين, فتبعه جماعة من فضلاء أصحاب شيخه وغيرهم ممن أراد أن يسلك بهم, بينما انفضَّ عنه أكثر الناس أهل الظواهر, ووجد منه ذوو الأحوال فتحا على يده ومزيدا من مدده.

كان رضي الله عنه من أهل العناية الربانية, والأحوال النورانية, والغيبة في التوحيد, والاستغراق في بحر التحقيق, قوي الحال, فائض النور, فياض المدد, تغلب عليه الغيبة وتعتاده زيادتها في نحو 5 أيام من كل شهر, فلا يعرف فيها الأرض من السماء, ولا يأكل ولا يشرب, إلا أنه يسأل عن أوقات الصلاة في كل ساعة, وقد يسأل عن صلاة النهار بالليل وعكس ذلك. وكان إذا وقع له ذلك, لا يخرج من داره.

وكانت طريقته معروفة بالمحبوبية والفناء في التوحيد. لا يشير في كلامه إلا إليهما, ولا يعرج إلا عليهما, وينهض بالناس إلى الله من طريقهما, ولا يلوي على طريق الخوف ولا يشير إليه, ولا يحب من يقف مع الخوف وشهود مساويه, مخافة أن يقصر به ذلك عن النهوض إلى الله. وكان يحركه السماع, وينهض قائما يتواجد من غير رقص, ولكن يقف ويقرب من أهل السماع. وكان شديد الحزم في الدين, واتبَّاع السُنَّة, رفيع الهمَّة, منقطعا عن الدنيا وأهلها, في غاية من الزهد والورع, وقلَّة ذات اليد, يأكل من عمل يده, ويتسبب في حانوته, ولا يقبل من أحد شيئا ولو من أصحابه, ما عدا ابن شيخه أحمد بن عبد الله, ويكفي في سموُّهِ وعلوِّ قدرهِ تَخرُّجه بهِ وتربيتهِ وتهذيبهِ به. وكان محبا لآل البيت, معظما لهم.

واشتهر الشيخ أبو الفضل قاسم الخصَّاصي, رضي الله عنه, بكثرة الكرامات والمكاشفات, ونُقل عنه لقاء الخضر عليه السلام, وظهرت على يديه أحوال عجيبة في الاستسقاء, وكشف المغيبات, والإخبار ببعض الوقائع قبل حدوثها, ومعرفة ما يضمره الناس في نفوسهم, وإجابة الدعاء, ووقوع البشائر والإنذارات على وفق ما يخبر به.  كما عُرف بالزهد الشديد, والورع, وقوة التوكل, وعلو الهمة في العبادة, حتى ظهرت عليه آثار الأحوال النورانية. وكانت له هيبة في قلوب الخلق, وانتفع بصحبته كثير من الناس, ورأى أصحابه أن أعظم كراماته ما فتح الله على يديه من هداية القلوب وإصلاح النفوس ونشر الخير بين العباد.

قال الشيخ الجليل ولي الله تعالى سيدي قاسم الخصَّاصي رضي الله عنه: "لا تشتغل قط بمن يؤذيك, واشتغل بالله يرده عنك, فإنه هو الذي حرَّكه عليك ليختبر دعواك في الصدق, وقد غلط في هذا الأمر خلق كثير, فاشتغلوا بإذاية من آذاهم, فدام الأذى مع الإثم, ولو أنهم رجعوا إلى الله لردهم عنه, وكفاهم أمرهم والسلام".
 
وفاته

توفي رحمه الله ورضي عنه في وسط ليلة الأحد التاسع عشر من شهر رمضان المعظم سنة 1083هـ, 1672م,عن نحو 82 سنة, ودفن بروضة أشياخه أعلى مطرح الجنة, إزاء قبة الشيخ محمد بن عبد الله رضي الله عنه, وراءه, وقبره به معروف, عليه دربوز يزار ويتبرك به.

ترجمته في المصادر

قال عبد السلام بن الطيب القادري, في كتابه "المقصد الأحمد في التعريف بسيدنا ابن عبد الله أحمد" متكلما عن الشيخ قاسم: "وقد شرعت لهذا العهد في تأليف مستقل في أخباره, من كرامات وغيرها, نويت تسميته عند إتمامه "بالزهر الباسم في أخبار الشيخ سيدي قاسم", يسر الله لي في إكماله بمنه وأفضاله". ولكن لم تساعده الأقدار بإكماله, ولا سمح له الزمان والقرار بإتمامه, فانتدب حفيده العلامة أبو عبد الله محمد بن الطيب القادري لذكر مآثره وأحواله في مؤلف في سفر وسط, سماه "بالزهر الباسم", أو "العرف الناسم, في مناقب الشيخ سيدي قاسم, ومآثر من له من الأشياخ والأتباع أهل المكارم", ولخص القول فيه في ثمانية أبواب. كما ترجم له في "الإلماع ببعض من لم يذكر في ممتع الأسماع", و"صفوة ما انتشر من أخبار أهل القرن الحادي عشر", و"الروض العطر الأنفاس بأخيـار الصالحين من أهل فاس", و"نشر المثاني في أخبار أهل القرن الحادي عشر والثاني", و"التقاط الدرر ومستفاد المواعظ والعبر من أخبار أعيان المائة الحادية والثانية عشر", وغير ذلك.
 
 
درويش العلاوي,
مدير موقع  "أشأع" - أحباب الشيخ أحمد العلاوي 


تعليقات