في عام 1930م، زار الشيخ أحمد العلاوي (قدس الله روحه) الشام، وكانت هذه الزيارة مناسبة للاحتفاء به من قبل علماء سوريا الذين اعتبروا الشيخ العلاوي من كبار العلماء والأولياء.
في إحدى الأيام، دعا أحد العلماء الشيخ العلاوي لحضور مأدبة، واصطف جمع من العلماء والمريدين للاحتفال به. كان الجميع متحمسًا لسماع كلام من الشيخ العلاوي، خصوصًا أن الشيخ كان من أهل الله وأوليائه المعروفين.
بينما كان الجمع يتناول حديثهم، طلب أحد العلماء من الشيخ العلاوي أن يبشرهم بشيء, فقال الشيخ العلاوي بهدوء وحكمة:
- "أبشروا، من رآني ومن رأى من رآني إلى يوم القيامة دخل الجنة".
فرح العلماء بهذه البشارة فرحًا عظيمًا، وتقبلوا كلام الشيخ بتقدير واعتقاد راسخ في قدسية كلام الأولياء وصدقهم، حيث كانوا يؤمنون بأن هؤلاء الأعلام هم بمنزلة خاصّة في الدنيا والآخرة.
ولكن، في وقت لاحق، وجد بعض الجهلة فرصة للتشكيك في كلام الشيخ، متسائلين في استغراب:
- "هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أفضل من الشيخ العلاوي, لقد رآه أبو جهل ولم يفلح، فكيف يمكن أن يكون هذا القول من الشيخ العلاوي صحيحًا؟"
ولم يكن الجهلاء يفهمون دقة المعنى الروحي والمراد من كلام الشيخ العلاوي, فكان رد الشيخ على هذا التشكيك حكيمًا وواضحًا، فأجابهم بلطفٍ وطمأنينة:
- "أبو جهل لم ير النبي صلى الله عليه وسلم، إنما رأى يتيم أبي طالب، ولو رآه صلى الله عليه وسلم لم تحرقه النار. أي إنه لم يره بالتعظيم والإكرام واعتقاد أنه رسول الله، ولو رآه بهذا المعنى لم تحرقه النار، ولكنه رآه باحتقار واعتقاد أنه يتيم أبي طالب، فلم تنفعه تلك الرؤية, ولو رآه بالعين التي رآه فيها أبو بكر لكان مؤمنًا".
الدرس الأخلاقي العميق:
التقدير والتعظيم:
كلام الشيخ العلاوي يحمل في طياته درسًا عميقًا عن ضرورة تعظيم مقام الأولياء والأنبياء. فالرؤية التي يراها الشخص لا تكمن فقط في الحواس الظاهرة، بل في الاعتقاد والتقدير الداخلي لهذا الشخص. أبو جهل، على الرغم من رؤيته للنبي صلى الله عليه وسلم، لم يرَ فيه النبي والمُرسل من الله، بل رآه بعين الازدراء والاحتقار، ولذلك لم تنفعه هذه الرؤية. أما أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فقد رآه بعين الإيمان والاحترام، فآمن به واتبع رسالته.
المعنى العميق للأقوال:
كلام الشيخ العلاوي ليس مجرد بشارة دنيوية، بل هو دعوة للانتباه إلى معاني الوجود الروحي، حيث أن الإنسان لا يحظى بالفوز والبركة الحقيقية إلا عندما تكون رؤيته وقلبه متوجهين نحو الحقيقة والإيمان الصادق، بغض النظر عن الظواهر. فالرؤية المعنوية لأولياء الله تختلف عن الرؤية الجسدية، ولذلك كانت البشارة التي أطلقها الشيخ العلاوي مشروطة بنقاء القلب وتعظيم مقامه.
تقدير الأنبياء والأولياء:
في حياة الناس، قد تختلف الرؤى ويختلط الفهم، لكن يجب على المؤمنين أن يقدروا مكانة الأنبياء والأولياء، وألا يعاملوا علمهم وتجاربهم الروحية على أنها مجرد كلام عابر، بل يجب أن تكون لديهم القدرة على إدراك الأبعاد الروحية للكلمات.
الإيمان والتحقق الداخلي:
تُظهر القصة أيضًا أن الإيمان لا يرتبط فقط بمظاهر الأمور، بل يتعلق بكيفية استقبال القلب لهذه الحقيقة. عندما يكون القلب طاهراً ويعتقد بالقداسة، فإنه يحقق الفهم الحقيقي والنتائج المرجوة. هذه الرؤية الداخلية للأشياء تؤدي إلى البركة الروحية والفوز الأبدي.
العبرة النهائية:
الشيخ العلاوي، من خلال كلامه، يعلّمنا أن الفوز الحقيقي لا يأتي من مجرد الرؤية الجسدية أو الظاهرية، بل من الرؤية القلبية التي تتسم بالإيمان والتعظيم. أولياء الله لا تُحترم رؤيتهم فقط بأعيننا، بل بالأكثر بقلوبنا التي يجب أن تكون مملوءة بالحب والإيمان.
المصدر: عبد الله محمد عكور, اقتباس وترتيب الواقعة وتفسيرها: درويش العلاوي.

تعليقات
إرسال تعليق