كان الشيخ أحمد العلاوي (قدس الله روحه) من أولياء الله العارفين، وكان له أثر كبير في توجيه المريدين، ليس فقط في الجزائر ولكن في العديد من البلدان الإسلامية. من بين المدن التي كان يحظى بها الشيخ بمحبة خاصة، كانت مستغانم وتلمسان والجزائر العاصمة، ولكن هناك مدينة صغيرة لم تكن معروفة للكثيرين آنذاك، وهي مدينة غليزان. لكن رغم صغرها، كانت تحمل مكانة كبيرة في قلب الشيخ العلاوي، حتى أنه كان ينظم فيها جمعات روحية سنوية بزاويته، حيث يلتقي المريدون وتقام الأنشطة الروحية التي تساهم في تهذيب النفوس ورفع الهمم.
في أحد هذه التجمعات الروحية التي كانت تُعقد في غليزان، كان الشيخ العلاوي يجلس بين مريديه، مستمعًا إلى أحوالهم وموجهًا إياهم في مسيرتهم الروحية. وفي اليوم التالي، جاء أحد مريديه إلى الشيخ وقد ظهر عليه علامات التعب والارتباك، فأراد الشيخ العلاوي أن يطمئن عليه، فسأله عن كيفية استفادته من النشاط الروحي الذي كان قد أقيم في الأيام السابقة، وعن التأثير الذي تركه في قلبه.
لكن المريد، الذي بدا عليه الأسف، أجاب قائلًا: "يا سيدي، لم أتمكن من الحضور، وصلت للتو، ولم أشارك في أي من الأنشطة الروحية."
حينها، نظر الشيخ العلاوي إليه بنظرة عميقة مليئة بالأسى، ثم قال له، بصوت هادئ لكنه محمل بمعاني عميقة: "لا أستطيع أن أفعل لك شيئًا يا ولدي، لقد فاتتك فرصة جيدة جدًا هذا العام، لقد فاتتك عرفة، فاتتك عرفة!"
تلك الكلمات كانت أشبه بلحظة من الوعي الروحي، لحظة استفاقة للمريد الذي كان يعتقد أن الوقت لا يزال أمامه، وأن الفرصة لم تَفُته. لكن الشيخ العلاوي، بحكمته، أراد أن يُظهر له أن الفرص الروحية، مثل تلك التي كانت في جمع غليزان، لا تأتي كل عام بنفس الطريقة. كانت لحظة روحية غنية، مليئة بالبركات التي ربما لن تتكرر بنفس الشكل، وأن ما فاته كان فرصة لا تعوض.
العبرة الأخلاقية:
الفرص الروحية لا تُعوض: كما أخبر الشيخ المريد، فالكثير من الفرص الروحية تأتي بشكل مؤقت ولا يمكننا أن نضمن تكرارها. مثلما كان للمريد فرصة في جمع غليزان، قد تأتي لحظات أو فرص روحانية أخرى، ولكن قد لا تتكرر بنفس الطريقة، أو قد تضيع إذا لم نستفد منها في وقتها.
التقدير للأوقات والأماكن الخاصة:
كثيرًا ما يتجاهل الناس أهمية بعض الأماكن أو الأوقات الخاصة التي تحمل بركات معينة. كان لمدينة غليزان مكانة خاصة في قلب الشيخ العلاوي، وكان يرى في هذه اللقاءات الروحية فرصة لتقوية قلوب المريدين. يوضح ذلك أهمية المكان الذي نقف فيه والوقت الذي نعيشه، وكيف يمكن أن يحمل كل منهما طاقة روحية خاصة.
الاستفادة من اللحظات الروحية:
يجب على المريدين أن يقدروا الفرص الروحية التي تتاح لهم، سواء كانت في اجتماع روحي أو في لقاء مع شخص حكيم. التوقف للتأمل والاستفادة من تلك اللحظات هو ما يعزز سيرنا في الطريق الروحي. أما التواني والتأجيل، فقد يعرضنا لفوات تلك الفرص.
التعلم من غفلة النفس:
الشيخ العلاوي كان يعلم أن النفس البشرية تميل إلى التأجيل، ولذا نبه مريده إلى أن غفلة القلب عن هذه الفرص قد تكون مؤلمة، فمثلما غفل هذا المريد عن الحضور في الوقت المناسب، قد تغفل القلوب عن اللحظات التي تفتح لها أبواب التغيير الروحي.
الزمن والمكان في تربية النفس: كلمات الشيخ العلاوي تكشف عن فهم عميق لماهية الزمان والمكان في تربية النفس. لا يقتصر الأمر على كون الزمان مجرد لحظة من الزمن، ولا المكان مجرد موقع جغرافي، بل كل منهما يحمل في طياته فرادة وطاقة خاصة يمكن أن تعين السالك على الوصول إلى الله بصدق وإخلاص.
الدرس النهائي: الفرص الروحية التي تقدم لنا لا تُقدر بثمن، وقد نضيعها إذا لم نكن يقظين ونحرص على اغتنامها في حينها. مثلما فات المريد الفرصة في جمع غليزان، علينا أن نتعلم كيف نُثمّن كل لحظة تمر في طريقنا الروحي، وكيف نحرص على حضور تلك اللحظات التي قد تغيرنا إلى الأفضل.
المصدر: سيدي علي ابن سيدي محمد السايح أحد آخر الفقراء المباشرين للشيخ أحمد العلاوي. اقتباس وترتيب الواقعة وتفسيرها: درويش العلاوي.
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق