سمع الشيخ العلاوي (قدس الله روحه) أحد مريديه يقول في تهجده:
- اللهم لك الحمد, لأنك لم تجعلني من أرباب الأموال, اللهم لك الحمد, لأنك لم تجعلني من أهل السلطة والجاه, اللهم لك الحمد, لأنك لم تجعلني من علماء الظاهر.
فقال له الشيخ العلاوي :
- لماذا تحمد الله على كل هذا؟
فقال له المريد :
- أشكر الله من كل قلبي لأنه لو جعلني من أرباب الأموال ما كنت تعرفت عليك يا سيدي لكبرياء نفسي, ولو جعلني من أهل السلطة والجاه لما تمكنت من طاعته والتسليم له لِعَمَاءِ بصيرتي, ولو جعلني من علماء الظاهر ما كنت لأتقبل علم الباطن, وما كنت تعرفت عليك يا سيدي, أنت الذي أخذ بيدي إلى الله.
حكمة الشيخ العلاوي في الرد على المريد:
القصة التي ذكرها الشيخ العلاوي (قدس الله روحه) مع مريده تعكس فهمه العميق لواقع الحياة الروحية وفلسفته في التعامل مع متطلبات العالمين الظاهر والباطن. من خلال رد الشيخ العلاوي على مريد في تلك اللحظة، يمكن استخلاص العديد من الحكم والدروس العميقة التي تدور حول التواضع والنية الصافية في طريق الله.
الدلالات الروحية لهذه القصة:
التواضع والقبول للقدر الإلهي:
المريد هنا يعبر عن شكر عميق لله على عدم وجوده في مواقع النفوذ أو السلطة، وذلك لأن هذه المواقف قد تُوقع الإنسان في فخ الكبرياء والغرور. فالمريد يوضح أنه لو كان غنيًا أو صاحب سلطة، لما استطاع أن يخضع قلبه للعلم الروحي والتوجيه الإلهي، لأنه كان سيكون مشغولًا بالمناصب أو المال بدلاً من التوجه للحق. التواضع هنا يظهر في شكر الله على ما منحه من حال، وعلى قبول الظروف كما هي وعدم التعلق بالمناصب أو الشهرة.
العلم الظاهري والعلم الباطني:
من خلال قوله "اللهم لك الحمد لأنك لم تجعلني من علماء الظاهر"، يُظهر المريد فهماً عميقًا للفرق بين العلم الظاهري والعلم الباطني. العلم الظاهري هو المعرفة التي تتعلق بالقواعد والمفاهيم الحياتية، أما العلم الباطني فهو العلم الذي يعمق الفهم الروحي ويقرب المرء من الله. المريد يشكر الله لأنه لم يُبتلى بالعلم الظاهري فقط، الذي قد يصرفه عن العلوم الباطنية التي تتطلب التصفية الباطنية والتوكل على الله.
التوجيه الروحي والقدرة على التحول:
المريد يعترف هنا بأن الشيخ العلاوي كان سببًا رئيسيًا في تعريفه بالله وعلمه الباطني، وهذا يعكس أن الشيخ ليس مجرد معلّم ظاهر بل هو المرشد الذي يُدرك حال قلب المريد ويُوجهه نحو الهداية الحقيقية. في هذا السياق، يظهر دور الشيخ كمُرشد روحي يُساعد المريد على الوصول إلى قلبه، ويُقدم له الطريق إلى الله بعيدًا عن زخرف الدنيا والمظاهر.
الرد الحكيم من الشيخ العلاوي:
سؤال الشيخ العلاوي "لماذا تحمد الله على كل هذا؟" ليس فقط استفسارًا عن دافع المريد لشكره لله، بل هو دعوة لتأمل أعمق في القيم الروحية. الشيخ العلاوي هنا يُعيد التوجيه للمريد نحو فكرته المركزية التي هي: القلب والتوجه الداخلي هو الأهم.
هذه الكلمات تكشف عن سعة نظر الشيخ العلاوي وتفهمه العميق للطريق الروحي. فهو لا ينظر إلى المال أو السلطة أو العلم الظاهري كأسباب للغرور، بل يرى أن الطريق الحقيقي لله هو من خلال التواضع، الاستسلام للقدر الإلهي، والنية الصافية في السعي خلف العلم الباطني الذي يقود إلى الله.
الدروس المستفادة من القصة:
التواضع هو طريق الهدى: إذا كان الإنسان بعيدًا عن حب المال والشهرة والمكانة الاجتماعية، فإنه يتمكن من التركيز على الهدف الروحي، وهو القرب من الله.
الفهم العميق للعلم: العلم ليس محصورًا في المعارف الظاهرة، بل الأهم هو العلم الذي يصلح القلب ويُحقق الفهم الباطني.
التوجيه الروحي: المريد يعبر عن أنه كان يحتاج إلى مرشد حقيقي ليوجهه على الطريق الصحيح، وهذا يشير إلى أهمية وجود مرشد روحي قوي يمكنه مساعدة الشخص في اكتشاف الحقيقة الداخلية.
القضاء على الكبرياء: المريد يُدرك أن إذا كان في مكانٍ عالٍ، قد يغفل عن الله ويستكبر على الحق. فالتواضع يمنح فرصة أفضل لفتح القلب لله.
خلاصة:
في هذه القصة، الشيخ العلاوي يسلط الضوء على الحكمة العميقة في تقدير الوضع الروحي للإنسان. التوجه الداخلي، النية الصافية، والتواضع هي المكونات الأساسية التي تمنح المريد الوصول إلى الله، بعيدًا عن التعلق بالأمور المادية أو الظاهرة.
المصدر: عن مجلة المرشد التابعة لأحباب الإسلام للطريقة العلوية تحت إشراف الشيخ عدة بن تونس "رحمه الله" سنة 1949, رقم المجلة 31, الصفحة 17.

تعليقات
إرسال تعليق