تعرف أحد علماء الشريعة على الشيخ أحمد العلاوي وتعلق به ثم أخد عنه الطريقة. قدم يوما إلى الزاوية الكبرى بمستغانم لينال علم الحقيقة فأدخله الشيخ العلاوي إلى الخلوة, فدام فيها شهرين كاملين دون نتيجة ولا حتى شعاع من نور.
من أمام نافذة الخلوة التي كانت تطل على المسجد, مر فقير أمي الذي كان راعي خرفان الزاوية وقطع على العالم ذكره وقال له:
- لا شيء جديد يا أخي؟
- لا شيء!
- لن تنال علم الحقيقة ما لم ترمي علمك وكل فلسفتك.
ثم ابتعد الراعي عنه...
فتسائل العالم :
-ماذا؟ يجب أن أرمي كل علمي؟ مهما كان, فإني ضيعت شهرين, أستطيع أن أرمي كل علمي لأنال معرفة ربي.
بكل إيمان, بدأ يرمي شيئا فشيئا كل ما في نفسه من علم و غيره... وفي عشية نفس اليوم أنار الله بصيرته وفتح عليه.
قصة الحكمة والفتح الروحي:
هذه القصة عن الشيخ أحمد العلاوي تبرز أهمية التواضع والتحرر من الأنا في الطريق الروحي. في البداية، نجد أن العالم، رغم درايته الواسعة في الشريعة، لم يحصل على الفتح الروحي الذي كان يبحث عنه. كان يظن أن معرفته الأكاديمية كافية له للوصول إلى الحقيقة. لكن الحقيقة كانت تكمن في تخليص نفسه من القيود العقلية والروحية التي كانت تعوقه.
الدروس المستفادة من القصة:
التخلي عن الأنا والاعتقاد بالعلم الظاهري:
العالم كان يحمل فكرة أن علمه في الشريعة كافٍ للوصول إلى الحقيقة، لكن هذا العلم الظاهري أصبح حاجزًا أمام الفتح الروحي الذي كان يبحث عنه. يُظهر هذا أن الإنسان يحتاج إلى التواضع والتخلي عن الأنا ليحقق التوجيه الروحي الصحيح. الطريقة الصوفية، كما يعلمها الشيخ العلاوي، لا تعتمد فقط على المعرفة الأكاديمية، بل على التطهير الداخلي والتجرد.
إدراك أهمية التواضع الروحي:
الراعي الذي كان يُعتبر في نظر البعض أميًا وغير متعلم هو من كشف للعالم الطريق الصحيح. هذا الشخص البسيط هو الذي فهم أنه لكي يحصل الإنسان على "علم الحقيقة"، يجب أن يتخلى عن كبريائه وعن تعلقاته بالمعرفة الظاهرة. التواضع هو المفتاح الأول للوصول إلى الله.
الفتح الروحي يأتي من الداخل:
ما يحدث للعالم في النهاية هو فتح بصيرته، وهو إشارة إلى أن الفتح الروحي لا يأتي من خلال مجرد التزود بالمعلومات، بل من خلال النية الطاهرة والتطهر الداخلي والتخلي عن الهوى والتكبر. الفتح هو نعمة إلهية تأتي بعد توبة القلب وتصحيحه.
اللحظة الحاسمة من الفهم:
عندما بدأ العالم في التخلص من علمه وفلسفته الخاصة وبدأ في التخلص من أفكار الأنا والتعالي، تحقق الفتح. هذا يعكس أن الحكمة الحقيقية لا تُكتسب بالعلم فحسب، بل تكون نتيجة لفتح القلوب واستعدادها لقبول الحق كما هو، بدون أي تحريف أو تأويل.
المغزى الروحي العميق:
قصة الشيخ العلاوي مع العالم تظهر أنه لا قيمة للعلم الظاهري أو الأكاديمي إن لم يكن مصحوبًا بالنية الطاهرة والقلب المتواضع. الراعي الأمي في القصة لم يكن حاملًا للعلم التقليدي، لكنه كان يحمل إيمانًا بسيطًا وقلبًا طاهرًا، وهذا هو الذي جعل الله يفتح عليه. هذا يُظهر أن الفتح الحقيقي لا يرتبط بالعلم الدنيوي بل يرتبط بالـإخلاص والتجرد من أي معوقات داخلية.
خلاصة:
إن الطريق الروحي ليس طريقًا يعتمد على التفاخر بالعلم الظاهر أو الفلسفات المعقدة. بل هو طريقٌ يعتمد على التخلي عن الأنا والغرور، واستعداد القلب لقبول الهداية الربانية. العلم الحقيقي هو الذي يؤدي إلى فتح القلب والتقرب إلى الله، وهذا لا يأتي إلا بالتواضع والنية الصافية.
المصدر: عن مجلة المرشد التابعة لأحباب الإسلام للطريقة العلاوية تحت إشراف الشيخ عدة بن تونس "رحمه الله" سنة 1949, رقم المجلة 31, الصفحة 12

تعليقات
إرسال تعليق