روايات-03- الشيخ العلاوي وكؤوس التوحيد

في أحد الأيام كان الشيخ العلاوي يلقي على سامعيه مذاكرة وعظية, وإذا بصخب غريب قاطعه وكان مصدره فقير ساقي يعد كؤوس الشاي, فأمره بالهدوء سائلا عن سبب الصخب, فأجابه الفقير:
- سيدي إني أعد الكؤوس, ولكنها لم تسمح لي بعدها.
فقال له الشيخ:
- وكيف تأبى الكؤوس أن تعدها ؟
فقال:
- أبدأ بواحد, كل شيء على ما يرام, ثم أقول اثنان, وعندها يبدأ الصخب, لأن الكأس يقول لي: أنا واحد... فلا أتوقف عنده, وأقول للآخر ثلاث, فيحتج قائلا: أنا واحد... فأتجاوزه للرابع الذي يبدي نفس ردة الفعل يا شيخي, فلم أستطع العد, فالكل يصرخ: "أنا واحد", وهذا هو سبب الصخب, فأنا لم أعرف بعد كم عدد الكؤوس لدي.

عندها قال له الشيخ:
- يا أخي لو قلت لي ذلك من قبل أن أتكلمٍ, لحضرت لسماع مذاكرتك لأنها أعمق من مذاكرتي.

الحكمة في حكاية الفقير الساقي

هذه القصة تبرز جانبًا من الذكاء البسيط الذي يمتلكه الشيخ العلاوي في رؤية الأشياء من زاوية مختلفة، حتى في المواقف اليومية العادية التي قد تبدو بعيدة عن الدروس الروحية. من خلال حوار الفقير مع الشيخ العلاوي، نرى عدة دروس ومواعظ تتعلق بالوعي الداخلي والفهم العميق للأشياء.

معنى الحكاية ودروسها:
التوحد والانفصال:

يُظهر الساقي في القصة معاناته مع الكؤوس التي ترفض أن تتعدد. كل كأس، عند العد، يرى نفسه الوحيد أو "الواحد"، وهذه فكرة تجسد التوحد والانفصال، حيث لا يستطيع الكأس قبول فكرة التعدد أو التغيير. وهذا يشير إلى التعلق بالمفهوم أو الذات الواحدة وعدم القدرة على رؤية الحقيقة الشاملة التي تشمل التنوع.

التعلق بالوحدة:

الكؤوس في القصة تجسد التعلق بالوحدة الفردية، وهو ما قد يحدث عند الأشخاص الذين يتشبثون برأي واحد أو فكرة واحدة ولا يقدرون على قبول التعدد أو التغيير في حياتهم أو أفكارهم. هذا يشير إلى أهمية المرونة الذهنية والانفتاح على التعددية في الرأي أو الفكر، وهو ما تعلمه الشيخ العلاوي من مريده.

التربية الروحية والفهم العميق:

على الرغم من أن الفقير كان منشغلاً في مهمة بسيطة مثل إعداد الشاي، إلا أنه كان لديه فهم عميق لتلك الكؤوس وتفاعلها مع العد. وهذه الحكمة البسيطة جعلت الشيخ العلاوي يقدر أن هذه الملاحظة قد تكون أعمق من درس الوعظ الذي كان يقوله، وهذا يعكس الانتباه إلى التفاصيل وكيف يمكن أن تأتي الحكمة في أبسط المواقف.

الفهم المختلف للحقيقة:

الشيخ العلاوي في رده على الفقير يظهر الاحترام للمعرفة البسيطة وقدرتها على إيصال الحقيقة بطريقة غير تقليدية. عندما قال له: "لو قلت لي ذلك من قبل أن أتكلمٍ, لحضرت لسماع مذاكرتك لأنها أعمق من مذاكرتي"، كان يعبر عن التواضع الفكري والروحانية التي لا تقتصر على أسلوب واحد أو طريقة معينة، بل يمكن أن تأتي من أي مكان، حتى من موقف يومي عادي.

الدروس الروحية:

التسليم والتفتح: كما أن الفقير واجه صعوبة في قبول التعدد بين الكؤوس، فإن الإنسان في سيره الروحي يحتاج إلى التسليم لمراتب مختلفة من المعرفة والتطور، وعدم التمسك بفكرة واحدة أو مرحلة معينة في الحياة. كل مرحلة جديدة في الحياة الروحية أو الفكرية قد تحتاج إلى المرونة والتوسع في الفكر والعقل.

الوعي بالموجود: قد لا نجد الحكمة في الأمور اليومية العادية إذا لم نتوقف لنتأمل فيها. الوعي الكامل بالأشياء من حولنا، مهما كانت صغيرة أو عابرة، يمكن أن يكشف لنا معانٍ عميقة. هذه القصة تعلمنا أن كل شيء يمكن أن يكون له دلالة روحية إذا نظرنا إليه بعين الفهم العميق.

خاتمة:

القصة التي ذكرها الشيخ العلاوي تُظهر جانبًا من الروحانية العملية التي يتسم بها تعليمه. حتى في الأمور اليومية البسيطة، مثل إعداد الشاي أو العد، هناك دروس حكيمة يمكن أن تفتح للمرء أبواب الفهم الروحي والوعي الذاتي. هذه الحكاية تذكرنا بأن الحكمة ليست محصورة في المواعظ التقليدية، بل قد تأتي من حيث لا نتوقع، ومن الأشياء الصغيرة التي نمر بها في حياتنا اليومية.
 
المصدر: عن مجلة المرشد التابعة لأحباب الإسلام للطريقة العلوية تحت إشراف الشيخ عدة بن تونس "رحمه الله", نوفمبر 1949, رقم المجلة 31, الصفحة 10.

تعليقات