في أحد الأيام، بينما كان الشيخ أحمد العلاوي (قدس الله روحه) منشغلاً بالقراءة، دخل عليه أحد مريديه متأثراً بشيء ما، وذكر له أن أحد إخوانهم قد وقع في عملٍ خطير. استمر الشيخ في قراءته بهدوء، بينما أصرَّ المريد على إبلاغه بكل تفاصيل الموقف، راغبًا في أن يعرف الشيخ عن تصرف الأخ المخطئ. لكن الشيخ العلاوي لم يلتفت إليه في البداية، بل استمر في انغماسه في قراءته، وهو يعلم أن للمريد درسًا يجب أن يتعلمه في هذا الموقف.
بعد لحظات، وضع الشيخ الكتاب على ركبتيه وأوقف قراءته، ثم نظر إلى مريده وقال له بصوت هادئ ولكن قوي:
- "لمَّا ينامُ أخاك على حافة الطريق، وتقوم الريح بتحريك قميصه وتكشف عن عورته، هل تستره وتسدله عليه، أم ترفعه لتكشف عنه أكثر؟"
فاجأ هذا السؤال المريد، وأثاره شعور بالحياء والخجل، فتلعثم قبل أن يجيب قائلاً:
- "أسترُهُ سيدي."
عندها، ابتسم الشيخ العلاوي ابتسامة هادئة، وقال له بتوجيه قوي:
- "إذاً أُسترْ، أُسترْ أخاك، أُسترْ."
الدرس الأخلاقي:
ستر العيوب والرحمة بالآخرين:
الشيخ العلاوي هنا يعطينا درسًا عميقًا في الرحمة والتسامح، ويحثنا على ستر عيوب الآخرين بدلاً من فضحها أو التحدث عنها. السؤال الذي طرحه الشيخ على مريده كان يحمل في طياته رسالة واضحة: إذا كنت ترغب في حماية أخيك في حال كان معرضًا للفضيحة أو الضرر، فما بالك عندما يتعلق الأمر بعيوبه الروحية أو الأخلاقية؟ تمامًا كما نستر أجساد الآخرين عندما يتعرضون للفضيحة، يجب أن نستر عيوبهم النفسية والروحية.
الحفاظ على كرامة الآخرين:
في هذه القصة، يعلمنا الشيخ العلاوي أن من الواجب على المؤمن أن يحفظ كرامة الآخرين ويعاملهم برفق ورحمة، خاصة في لحظات ضعفهم أو خطأهم. لا ينبغي أن نرفع الستار عن أخطاء الآخرين أو نكون سببًا في تكبيرها. إنما الواجب أن نسترهم ونسعى لإصلاحهم برفق وهدوء.
التحلي بالحكمة في معالجة الأخطاء:
الشيخ العلاوي، بدلًا من أن يتعجل في لوم المريد أو التحدث عن خطأ الآخر، استخدم سؤالًا حكيمًا لتنبيه المريد إلى أنه يجب عليه أن يعامل أخاه بالطريقة التي يليق بها. هذا التحليل العقلي والمقارنة بين موقفين يثيران الشعور بالحياء والرحمة، يوجه المريد إلى ضرورة الحذر من التسرع في الحكم على الآخرين أو نشر عيوبهم.
التسامح والستر على الآخرين:
الحملة التي يدعو إليها الشيخ العلاوي هي حملة من التسامح والستر. فهو يبين للمريد أنه عندما يخطئ شخص ما، لا يجب أن نركز على عيوبه أو نشرها بين الناس، بل يجب أن نسعى لحمايته وستر عيوبه، تمامًا كما نستر الآخرين في المواقف العادية.
العبرة النهائية:
الستر على الآخرين ليس فقط عملًا أخلاقيًا، بل هو أيضًا سلوك يعكس نبل النفس والرحمة والقدرة على التفهم والاحتواء. الشيخ العلاوي من خلال هذه القصة يوجهنا إلى ضرورة النظر إلى تصرفات الآخرين بعين الرحمة والتسامح، والابتعاد عن نشر أخطاء الناس أو توسيع دائرة فضائحهم. بل ينبغي أن يكون هدفنا هو الإصلاح والستر، خاصةً في الأوقات التي يحتاج فيها الآخرون إلى دعمنا وحسن ظننا.
المصدر: الدكتور
صالح خليفة (العلاوية والمدنية من مصادرها المباشرة إلى
الخمسينيات) أطروحة للحصول على دكتوراه الدولة في الدراسات العربية
والإسلامية. جامعة ليون جان مولان (فرنسا).

تعليقات
إرسال تعليق