روايات-14- الشيخ العلاوي وبتلة الزهرة

بينما كان الشيخ أحمد العلاوي (قدس الله روحه) في خلوته بالزاوية، كان يعتاد أن يضع أمامه صينية كبيرة تحمل إبريق الشاي وعدة كؤوس، وذلك بسبب عدد الزوار الذين كانوا يتوافدون عليه باستمرار، سواء كانوا مريدين أو زوارًا من غيرهم، ليجلسوا معه ويتعلموا من معارفه الروحية.

في أحد الأيام، بينما كان جالسًا مع مريديه، أَخذَ الشيخُ ملء كأسٍ من الشاي، وملأه حتى كاد أن يتدفق من أطرافه. ثم، نظر إلى مريديه وسألهم:
"هل يمكن لهذا الكأس أن يمتلأ أكثر؟"
أجاب الجميع معًا بالنفي، فقالوا:
"لا بالطبع، إنه مملوء."

حينئذٍ، أخذ الشيخ بتلة من زهرة كانت على الصينية، ووضعها بلطف فوق الكأس المملوء بالشاي. والغريب أنه لم يفرغ منه شيء، بل تحمل الكأس أكثر. فابتسم الشيخ وقال:
"هكذا حال طالب علم الظاهر، الذي حصَّل علمه وأتقنه، فعليه أن يعلم أنه يمكنه الزيادة."

ثم أضاف الشيخ:
"الزيادة تكون بتزيين علمه الظاهر الذي هو الإسلام والإيمان، بعلم الباطن الذي هو الإيقان والإحسان، أو نقول انتقاله من الدليل والبرهان إلى الشهود والعيان. وهكذا، تزيد معرفته نورًا بنور معرفة الله تعالى."

الدرس الأخلاقي:

التكامل بين علم الظاهر وعلم الباطن:
الشيخ العلاوي، من خلال هذه القصة، يوضح أن العلم الظاهر وحده، رغم أهميته، لا يكفي لتحصيل الكمال الروحي. بل يحتاج المؤمن إلى تكميل هذا العلم بعلم الباطن، الذي يتمثل في تصفية القلب وتزكيته من خلال الإيقان والإحسان. كما أن العلم الظاهر يتطلب أن يصحبه تربية روحية، لتغذيته بعمق إيماني وتجربة شخصية.

الانتقال من الدليل إلى الشهود:
الشيخ يشير إلى أنه بمجرد أن يتقن الشخص علم الظاهر، يجب أن يتوجه إلى العلم الباطن، أي الانتقال من الدليل العقلي والبرهان النظري إلى الشهود والمشاهدة القلبية. وهو بذلك يسلط الضوء على أهمية الخبرة المباشرة مع الله، التي لا يمكن أن تتحقق من خلال المعرفة المجردة وحدها.
 
الزيادة في العلم والتدبر:
الكأس الذي لا يُمكن أن يمتلأ أكثر رغم أنه مملوء يمثل الشخص الذي يحسب أنه قد بلغ قمة العلم أو التوفيق في الطريق الروحي. لكن الحقيقة هي أن الإنسان إذا فتح قلبه للمعرفة الباطنية، فيمكنه الاستمرار في الزيادة والنمو الروحي كما تزداد سعة الكأس بالرغم من امتلائه. لا نهاية حقيقية للزيادة في العلم والمعرفة الإلهية.

نور العلم بالله:
الشيخ العلاوي يبين أن الفهم الحقيقي لدين الله لا يقتصر على التعلم الأكاديمي أو الحفظ، بل يشمل التحول الروحي والنور الذي يتولد في القلب. وكلما زادت معرفة الإنسان بالله، كلما اتسعت معرفته، وأصبحت أكثر إشراقًا وتنير قلبه وروحه.

العبرة النهائية:
القصة تبرز أنه لا يكفي للإنسان أن يقتصر على العلم الظاهر فقط، بل يجب عليه أن يسعى أيضًا لإثراء قلبه بالعلم الباطن الذي يتعمق فيه الإيمان واليقين. العلم لا يتوقف عن حدود العقل، بل يتجاوز إلى الشعور والمشاهدة القلبية. وكلما تقدم المريد في طريق الله، زاد علمه واستنار قلبه بنور المعرفة الإلهية.


المصدر : من موقع خالد وليامس عن الشيخ البوزيدي البوجرافي العلاوي رحمه الله.

تعليقات