روايات-19- الشيخ العلاوي والمريد الشاب الصادق

في أحد الأيام، جاء مريد شاب في سن المراهقة إلى الشيخ العلاوي (قدس الله روحه) وكان قلبه مليئًا بحب الله ورغبة قوية في الاقتراب أكثر من الطريق الروحي. طلب المريد من الشيخ أن يأذن له بالخلوة، لكن الشيخ العلاوي الذي كان على دراية بحكمة العمر والخبرة الروحية، أجابه برفق:

"اذهب، فإنك ما زلت صغيرًا."

ولكن هذا المريد الصغير لم يتردد في العودة في اليوم التالي. عاد بنفس الطلب، وألح عليه بجدية أكبر، إلا أن الشيخ العلاوي قابله بنفس الرد. ولكن المريد لم ييأس هذه المرة، بل وقف في مكانه وأجاب الشيخ بما يقطع كل شك:
"يا سيدي، هل النائمون في المقابر كلهم كبار؟"

تأمل الشيخ العلاوي في كلمات المريد الصغير، وقد أدرك أن قلبه قد بلغ من النضج الروحي ما يجعل عمره ليس عائقًا أمام رغبته في الاقتراب من الله. فاستجاب الشيخ العلاوي له، ورحّب به، وأذن له بالخلوة التي كان يطلبها.

وقد قال الشيخ العلاوي في حقه بعد ذلك:
"إلا لدوي التصديق *** وجاءهم وحي إلهام."

الدرس الأخلاقي:

النضج الروحي لا يتوقف على السن:
هذه القصة تبرز الحقيقة العميقة أن النضج الروحي ليس محصورًا في سن معينة. فعندما يكون القلب مملوءًا بالإيمان والتصديق، يصبح الشخص قادرًا على فهم الروحانيات وتجاوز المراحل العمرية ليصل إلى أقرب نقطة من الله. المريد رغم صغر سنه كان قد نضج روحيًا بما يكفي ليطلب الخلوة ويحقق مبتغاه.

القوة في الإصرار:
إصرار المريد على طلب الخلوة يعكس قوة العزيمة والإرادة التي لا تحدها العقبات. ورغم أن الشيخ العلاوي رفض في البداية، إلا أن المريد بجدّيته واهتمامه لم ييأس، بل واصل الطلب حتى تم له ما أراد. من خلال هذه القصة، نجد أن الإصرار على الهدف في الطريق الروحي يُفضي دائمًا إلى نتائج جيدة.

القدرة على التمييز بين الروح والجسد:
الشيخ العلاوي الذي تأمل في طلب المريد فهم أن هناك شيئًا مختلفًا في قلبه عن غيره من المريدين، وهذا التميز الروحي يمكن أن يكون موجودًا حتى في من لا يملك خبرة كبيرة أو سنوات طويلة في الطريق. المريد كان يحمل في قلبه تصديقًا خالصًا كان يكفي ليتحقق له ما كان يطلبه.

الاهتمام بالقلب وليس بالسن:
الشيخ العلاوي لم يحكم على المريد بسبب سنه، بل على قلبه. الإسلام يُعلّمنا أن ما يهم في الإنسان هو الإيمان والنية الطيبة. عندما يكون القلب مخلصًا لله، تكون الطريق مفتوحة أمامه للارتقاء الروحي مهما كان عمره.

العبرة النهائية:
هذه القصة تعلمنا أن العمر ليس العامل الوحيد الذي يحدد قدرة الإنسان على السلوك في الطريق الروحي. المهم هو قلب الإنسان، وحبّه لله، ورغبته الصادقة في التغيير والنمو الروحي. وأن الإصرار في طلب الحق والنية الطيبة هما مفتاحا النجاح في السير على طريق الله.
 

المصدر: سيدي محمد حفيد المقدم خليفة بن حمُّو الذي كان أول مقدم لمدينة مكناس بالمغرب (المأذون بالخلوة من لدن الشيخ أحمد العلاوي). روى لنا والدي هده القصة مذ ونحن صغارا وكان دائما يكررها ويتعمد ذلك.

تعليقات