قصة الشيخ العلاوي وأعداؤه: درس في الصبر والحكمة. ففي حياة كل نبي أو ولي، هناك اختبار لا مفر منه: أن يكون له أعداء. وهذه سنة الله في خلقه، حيث يختبر الله عز وجل صبرهم وتوكلهم عليه. أولياء الله لا يفلتون من هذا الابتلاء، كما كان الحال مع الشيخ أحمد العلاوي (قدس الله روحه)، الذي كانت له أعداء كثر، من بينهم أعداء من الحركة الإصلاحية الوهابية، ومن المتطرفين النصارى، ومن الإدارة الفرنسية، وأيضا من بعض مشايخ الزوايا.
ومن بين هؤلاء المشايخ الذين خالفوا دعوة الشيخ العلاوي كان أحد مشايخ الزوايا التبركية. هذا الشيخ الذي حاول عرقلة دعوته والتشويش عليها، كان يبذل جهدًا كبيرًا في محاربة الشيخ العلاوي. ورغم ذلك، بقي الشيخ العلاوي متمسكًا بثباته وحكمته، لم يتأثر بهذه المواقف العاصفة، وظل يدعو إلى الله.
وفي أحد الأيام، جاء أحد الفقراء إلى الشيخ العلاوي ليزف إليه خبرًا، قائلاً:
"سيدي، سيدي أحمد، عندي لك خبرًا يسرك."
فأجاب الشيخ العلاوي بلهفة:
"وما ذاك الخبر؟"
قال الفقير:
"إن الشيخ فلان، الذي كان يلعب علينا الدوائر، قد أغلقت فرنسا زاويته!"
رد الشيخ العلاوي بسرعة وعمق:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون. أهذه البشارة التي أسرتك؟ ما الذي جئت تبشرني به؟ آلا تعلم أن تلك الزاوية وذلك الشيخ كان مانعًا عنا وعن المسلمين سبعين شيطانًا؟ أصبح الآن المكان خاليًا لهم لكي يترصدوا بنا مع أقرانهم. ليس هذا بخبر بشرى يا ولدي، هذه نكسة! كان الله في العون."
الدرس الأخلاقي:
التوكل على الله والصبر في مواجهة الأعداء:
الشيخ العلاوي يعبر عن حالة التوكل على الله في أشد المواقف. رغم أن العديد من أعدائه كانوا يعملون ضده، لم يفرح أو يسرَّ بما حدث لهم. بل كان يرى في غلق الزاوية خطرًا على المسلمين، لأن الشيطان يجد دائمًا الفرصة للانقضاض عندما يجد مكانًا خاليًا. وهذا يظهر كيف أن المؤمن الحقيقي لا يفرح لأذية الآخرين، بل يشعر بالأسى على حالهم، ويظل يضع ثقته في الله فقط.
الحكمة في رؤية الأحداث من منظور أوسع:
الشيخ العلاوي أظهر كيف يمكن للإنسان أن يرى الأحداث من زاوية أوسع، إذ لا يرى في إغلاق الزاوية انتصارًا، بل يرى فيه فرصة للشر والخطر الذي قد يترصد بالمسلمين. إنه يعلم أن الحق ليس مجرد كسب معركة أو إغلاق باب، بل هو في استمرار الدعوة إلى الله، وفي مواجهة الفتن بهدوء وثبات.
البُعد عن الفرح لمصائب الآخرين:
الشيخ العلاوي أظهر أن المؤمن لا يفرح بمصيبة الآخرين، حتى وإن كانوا خصومًا له. بل يرى في مصيبتهم فرصة للشر الذي قد يهدد الأمة. هذا يبرز مفهوم الرحمة والمغفرة في قلب المؤمن الذي لا يفرح لحزن أحد، بل يتمنى الهداية لجميع الناس.
الصراع مع الشياطين والأعداء الروحيين:
كلام الشيخ العلاوي عن "الشيطان" كان يهدف إلى تسليط الضوء على حقيقة أن الزوايا ليست مجرد أماكن للصلاة والتعليم، بل هي أيضاً نقاط صراع بين الخير والشر. ففي غياب الأماكن الصافية التي تربط الناس بالله، يزداد الفراغ الروحي وتتعاظم الفرص للأعمال الشريرة والفتن.
المسؤولية الجماعية في نشر الحق:
الشيخ العلاوي لم يفرح لهزيمة خصمه، بل اهتم بمصير المسلمين جميعًا. فإغلاق الزاوية كان يعني أن الملتزمين بالدين قد أصبحوا في مواجهة مع الشيطان دون حماية، وكان هذا في نظره نقطة سلبية.
العبرة النهائية:
قصة الشيخ العلاوي تعلمنا أن الفرح في عذاب الآخرين أو في هزيمتهم ليس من شيم المؤمنين، بل يجب أن نحرص على رؤية الأمور من منظور أوسع وأعمق، بما يخدم الخير للمجتمع ككل. وإن الصبر في مواجهة الأعداء والتوكل على الله هما من أعظم دروس الحياة الروحية التي ينبغي للمؤمنين أن يتحلوا بها.
المصدر: سيدي علي ابن سيدي محمد السايح أحد آخر الفقراء المباشرين للشيخ أحمد العلاوي.

تعليقات
إرسال تعليق