في يوم من الأيام، كان مجموعة من الفقراء الذين يزورون الشيخ العلاوي (قدس الله روحه) من مناطق بعيدة عن مستغانم، وكانوا يتبعون عادة الانقطاع للذكر والخلوة في زاويته. كانت الحاجة تقتضي عليهم الذهاب إلى نهر قريب من الزاوية لغسل ثيابهم، وكان ذلك جزءًا من عيشهم البسيط والمخلص.
في أحد الأيام، أثناء غسيلهم لثيابهم عند النهر، التقى هؤلاء الفقراء بشخص غريب كان معروفًا في الحي القديم "تجديت" بمستغانم. كان هذا الرجل شخصًا أبله (بهلول)، لا مأوى له ومدمنًا على الخمر، وكان الجميع يعرفه في المدينة، وعرفه الفقراء عندما صادفوه عند النهر.
بدأ "البهلول" بغسل ثيابه في نفس الموضع الذي كان فيه الفقراء، لكن وسخ ثيابه بدأ يتسلل إلى المكان الذي كانوا يغسلون فيه. بدا من الواضح أن بعضهم لم يشعروا بالراحة وكانوا يزعجون من هذا الموقف. فبدأوا بالتحدث مع بعضهم البعض وطلبوا منه أن يبتعد قليلاً حتى لا يتسلل وسخ ثيابه إلى موضع غسيلهم.
لكن الرجل لم يلبِ طلبهم وبقي في مكانه، مما دفعهم إلى أن يقرروا حمل ثيابهم والعودة إلى الزاوية. عندها، قال لهم الرجل:
"أتظنون أنكم الأولاد الأعزاء للشيخ العلاوي؟ ولكن يظهر أنكم نسيتم أنني كذلك ولده رغم سوء حالي. وأعلموا أن الأب لا يسمح في ولده، ولو كان أبله (بهلول). أنا الابن البهلول للشيخ العلاوي."
عند سماعهم لهذه الكلمات، شعر الفقراء بحكمة الرجل وفهموا المعنى العميق وراء كلامه. فهموا أن الشيخ العلاوي لا يميز بين الناس في ولائه وحبه لهم، وأنه يعاملهم جميعًا كأب يحب أبناءه رغم الظروف الصعبة أو الأخطاء التي قد يرتكبها بعضهم. فقرروا أن يعودوا إلى الشيخ لإبلاغه بما حدث.
وعندما سمع الشيخ العلاوي بما وقع، قال لهم:
"الحق معه، إنه ولدي، والأب لا يسمح في ولده أبدًا ولو كان أبله. إذاً كونوا أنتم كذلك إخوة له."
الدرس الأخلاقي:
التعامل مع الناس بحسن الظن والمساواة:
الشيخ العلاوي يعلم أن كل إنسان له قيمة عند الله، بغض النظر عن وضعه الاجتماعي أو الظرفي. الفقراء الذين كانوا يظنون أن "البهلول" هو شخص غير محترم بسبب حالته، تعلموا درسًا عميقًا في المساواة والرحمة. فالشيخ العلاوي، وهو الأب الروحي للجميع، لا يميز بين مريد وآخر.
الرحمة والإحسان للأشخاص الذين يعانون:
كان الرجل "البهلول" في حالته السيئة يعبر عن حقيقة مهمة: رغم ما يبدو عليه من قلة حيلة أو ضياع، إلا أنه كان في الحقيقة "ابنًا" للشيخ العلاوي، الأب الروحي. هذا يبرز أهمية الإحسان إلى كل شخص، خاصة أولئك الذين يعانون أو يظهرون في مواقف صعبة، فكلهم في حاجة إلى الرحمة والتوجيه.
الاعتراف بالحكمة في المواقف الصعبة:
حينما تكلم "البهلول"، كان هناك نوع من الشدة في كلماته، لكن الفقراء أدركوا الحكمة العميقة وراء كلامه، وفهموا أن التصرفات الظاهرة قد تخفي معاني أعمق. في الحياة، لا ينبغي على الإنسان أن يستهين بمواقف الآخرين أو أن يقيم الأمور بناءً على المظاهر، بل يجب أن يتسم بالوعي العميق.
التقدير لعمق العلاقات الإنسانية الروحية:
الشيخ العلاوي يعلّم أن العلاقة الروحية بين المريد وشيخه تتجاوز المظاهر والتصرفات السطحية. حتى إذا أخطأ أحد المريدين أو ظهرت منه تصرفات غير لائقة، فإنه يبقى "ابنًا" للشيخ، ولا يمكن أن يتم تجاهله أو نبذه. وهذا يشير إلى معنى الأخوة الروحية الحقيقية في طريق الله.
العبرة النهائية:
القصة تعلمنا أهمية الرحمة والمساواة بين الناس، وتعزيز الأخوة الروحية الحقيقية التي لا تقيم على المظاهر أو الطبقات الاجتماعية، بل على الطهارة الروحية والحب المتبادل.
المصدر: سيدي علي ابن سيدي محمد السايح أحد آخر الفقراء المباشرين للشيخ أحمد العلاوي.

تعليقات
إرسال تعليق