كان الشيخ أحمد العلاوي (قدس الله روحه) عارفًا بالله ومربيًا حكيمًا، يتعامل مع مريديه بلطفٍ ورحمة، لكنه كان يُدرك في أعماق قلبه أن العلم والمعرفة الروحية لا تأتي إلا بحضور القلب والتفاني التام. في مدينة تلمسان، طلب أحد الفقراء من الشيخ العلاوي الإذن بالذكر باسم الله الأعظم، وكان الرجل مسؤولًا عن عائلة كبيرة، فأراد أن يُذكر في بيته مع عائلته. وافق الشيخ العلاوي على طلبه، ولكنه لم يتركه بلا توجيه. قام الشيخ بتعليمه الطريقة الصحيحة للذكر وخصائصه، ثم أذن له بالبدء في الذكر في بيته.
في الوقت نفسه، جاء فقير آخر من نفس المدينة إلى الشيخ العلاوي، طالبًا الإذن بالذكر بنفس الطريقة، ولكن هذا الفقير أبدى رغبته في أداء الذكر في زاوية الشيخ بمستغانم. فقبل الشيخ طلبه، ووضعه في خلوة لمدة أسبوع كامل، كان الشيخ يزوره يوميًا، ويذاكره معه في الأحوال الروحية، وينصحه في كيفية التقدم في التأمل، موجهًا إياه إلى عمق الذكر وتأثيراته.
لكن، رغم جميع جهود الشيخ العلاوي، وعنايته بهذا الفقير في الزاوية، في اليوم الثامن، أمره الشيخ بالعودة إلى تلمسان دون أن يحقق أي تحصيل أو تجربة روحية مميزة، ولم يحصل على النتائج التي كان يتوقعها.
ولكن، وعند وصوله إلى تلمسان، اكتشف الفقير أنه كان هناك شخص آخر، الذي بقي في بيته بين عائلته، قد تحققت له النتائج بالكامل. فتح الله على عين بصيرته، وتحقق من العلم اللدني، في حين أن الفقير الذي كان مع الشيخ العلاوي في زاويته لم يحصل على شيء.
عندما تم استفسار الشيخ العلاوي عن السبب في ذلك، فقد كان هذا الأمر محيرًا للكثير من المريدين، فكيف يمكن أن يحقق الفقير الذي بقي في بيته نتائج عظيمة بينما لم يحقق الآخر أي تقدم رغم العناية التي لقيها من الشيخ؟ أجاب الشيخ العلاوي بابتسامة حكيمة:
- "الأمر في غاية البساطة، الشخص الذي كان في بيته، وبين عائلته بجسده، كان معي بقلبه، والآخر كان معي بجسده، ولكن قلبه كان مع عائلته. وأنا إنه القلب الذي أريده".
العبرة الأخلاقية:
حضور القلب هو الأساس: الشيخ العلاوي أراد أن يُرشد مريديه إلى أن مجرد الوجود الجسدي في المكان لا يكفي. الشخص الذي كان مع الشيخ في الزاوية كان حاضرًا بجسده فقط، ولكن قلبه كان في مكان آخر، مشغولًا بالأمور الدنيوية. أما الفقير الذي بقي في بيته مع عائلته، فكان قلبه حاضرًا في الذكر، متفرغًا تمامًا للاتصال بالله، ما جعل ذلك يُفتح له أبواب المعرفة والإدراك الروحي.
النية والإخلاص:
الدرس هنا أن النية والإخلاص في العمل الروحي هما ما يفتحان أبواب الفيض الإلهي. إذا كان القلب حاضرًا مع الله في كل لحظة، فإن هذا هو الذي يثمر وينعكس في نتائج التوجيه الروحي.
التوجه الداخلي:
من خلال هذه القصة، يظهر أن التوجه الداخلي الصادق في العبادة والذكر هو ما يُحقق النتائج، حتى لو لم تكن الظروف مهيأة في البداية. كان الشخص الذي في بيته قادرًا على التفاني في الذكر رغم عدم وجوده في الزاوية، بينما الآخر الذي كان في الزاوية لم يُحقق النتيجة المطلوبة لأنه لم يكن قلبه حاضرًا في نفس المكان.
أهمية الزمان والمكان، ولكن ليس بشكل مطلق:
الزمان والمكان لهما تأثير كبير في التجارب الروحية، ولكن إذا لم يكن الشخص حاضرًا داخليًا، فلن تؤدي هذه الأماكن إلى الفائدة الحقيقية. الشيخ العلاوي كان يعلم أن الخلوات والتجمعات الروحية هي وسائل للتوجيه، ولكنها ليست الهدف النهائي؛ الهدف هو اتصال القلب بالله.
الروحانية تتطلب تفرغًا حقيقيًا:
لن تتحقق المعرفة الحقيقية بالله إلا عندما يتفرغ الشخص بكل كيانه قلبه وعقله وجسده للسعي إلى الله. قد يكون الشخص في الزاوية أو في خلوة، لكن إذا كانت ذهنه مشغولًا بأمور الحياة اليومية، فإن تجربته الروحية ستكون محدودة.
الدرس النهائي:
الشيخ العلاوي علمنا أن الطريق الروحي لا يعتمد فقط على المكان أو الطريقة، بل يعتمد أساسًا على إخلاص القلب وحضوره التام في كل لحظة مع الله. عندما نذكر الله أو نؤدي عباداتنا، يجب أن يكون حضور القلب هو الأساس، فالقلب الصادق هو ما يُنير الطريق ويُفتح له أبواب الفهم والعلم اللدني.
المصدر: الشيخ عدة بن تونس, كتاب "أخوة القلوب, ص 68". اقتباس وترتيب الواقعة وتفسيرها: درويش العلاوي.

تعليقات
إرسال تعليق