في أحد الأيام، كان الشيخ أحمد العلاوي (قدس الله روحه) في استعدادٍ للقيام بسياحة روحية، رحلة تبحث عن الصفاء والتأمل. وبما أن الزاوية كانت بحاجة إلى شخص يتولى أمرها في غيابه، كلف الشيخ أحد مقدمي الزاوية بإدارة شؤونها. كان المقدم معروفًا بتواضعه وصدقه، لكنه لم يكن يحمل من التجربة ما يكفي لإدارة الأمور بشكل كامل. ومع مرور الأيام، حدثت مشادات صغيرة بين بعض الفقراء الذين يعيشون في الزاوية. ولأن المقدم كان يظن أن هذه الأمور لن تؤثر في سير العمل، قرر أن يبقي هذه الحوادث سرًا عن الشيخ.
عاد الشيخ أحمد العلاوي بعد فترة من السياحة، فاستقبله المقدم بحفاوة وقدم له تقريرًا عن حال الزاوية قائلاً: "كل شيء على ما يرام، سيدي. الأمور كانت طبيعية للغاية." ولكن، مع مرور الأيام، اكتشف الشيخ العلاوي أن المقدم أخفى عنه بعض التفاصيل الهامة، وتبين له أن المشادات بين الفقراء لم تكن مجرد حادث عابر بل كان لها أثرها.
حين علم الشيخ بما حدث، قرر أن يتحدث مع المقدم بحكمة وتعاطف، وأخذ المقدم جانبًا قائلاً: "هل تعلم سيدي لمن تشبه بسلوكك هذا؟" أجاب المقدم، وقد بدا عليه الارتباك: "لا سيدي، لا أعرف." فقال الشيخ مبتسمًا بلطف: "إنك مثل إناء الاستنجاء الذي يستخدمه المؤمنون لتطهير أنفسهم من نجاساتهم."
فهم المقدم مغزى كلام الشيخ، رغم أن هذه الكلمات لم تكن واضحة تمامًا له في البداية.
وبعد أن مرّت أيام قليلة، رواها الشيخ محمد السايح (رحمه الله) وهو أحد تلاميذ الشيخ، فشرح مغزى كلام الشيخ العلاوي للمريدين قائلاً: "إن هذا المقدم كان كلما يروي لنا هذه الواقعة، ينفجر بالبكاء ويبكي الحاضرين معه، لأن ما فهمه من كلام الشيخ كان عميقًا."
ثم تابع سيدي محمد السايح قائلاً: "إن المقدم كان قد فكر في كلام الشيخ على أنه دعوة للتستر على عيوب الآخرين وحمايتهم من الفضيحة. مثل الإناء الذي يستخدمه المؤمن في الطهارة، لا يظهر للناس ولا يُرى، لكنه يحمل الخير والطهارة التي يحتاجها المؤمن ليظهر أمام الله طاهرًا. هكذا كان سلوك المقدم، فبقي محافظًا على سرية مشادات الفقراء، ولم يرغب في نشر عيوبهم، رغم أن هذا كان سيحفظ الاستقرار في الزاوية."
العبرة الأخلاقية التي نستخلصها من هذه القصة:
التواضع والصدق في المسؤولية:
الشيخ أحمد العلاوي لم يلق اللوم على المقدم حين اكتشف أنه أخفى الحادثة. بل أظهر سلوكًا رفيعًا في معاملة مريده، وهو درس في كيف أن الأمانة في المسؤولية تتطلب الشفافية والصدق.
التستُّر على عيوب الآخرين:
كان المقدم يخفي الحوادث الصغيرة بين الفقراء لأنه لم يرغب في كشف عيوبهم. وهذا السلوك يعكس تعاليم الإسلام في التستر على عيوب الآخرين وعدم نشر الأخطاء.
التحمل والتفهم في التربية:
الشيخ العلاوي، رغم أنه اكتشف الحادثة، لم يعامل المقدم بقسوة أو لوم. بل كان تفهمه لأسباب الموقف هو ما جعله يصدر هذا التشبيه الجميل الذي ساعد المقدم على فهم القيمة العميقة للسلوك الصحيح في القيادة.
النية الطيبة والتضحية:
مثل الإناء الذي يُستخدم في التطهير، فإن سلوك المقدم كان نابعًا من نية طيبة وحسن تقدير للمواقف، رغم أنه لم يكن في موقع المسؤولية الأكبر. هذا يُظهر كيف يمكن للأفراد أن يسهموا في الحفاظ على الوحدة دون أن يظهروا أنفسهم في دائرة الضوء.
الحفاظ على ماء الوجه:
في هذه القصة، كان المقدم يراعي احترام الآخرين وحفظ ماء وجههم، وهو درس عظيم في كيف يجب أن نتعامل مع أخطاء الآخرين بحذر وعناية، لا سيما إذا كان في ذلك ستر لعيوبهم.
كانت تلك الكلمات من الشيخ العلاوي، رغم بساطتها، بمثابة دروس في الحكمة والتربية الصادقة، تجعل من التصوف والتعامل مع الناس سلوكًا راقيًا قائمًا على التقدير والرحمة.
المصدر: سيدي علي ابن سيدي محمد السايح أحد آخر الفقراء المباشرين للشيخ أحمد العلاوي. اقتباس وترتيب الواقعة وتفسيرها: درويش العلاوي.

تعليقات
إرسال تعليق