الذئب في الطريق (مذاكرات من أنوار السادة العلاوية) قصة الشيخ العلاوي مع الذئب (هو من كان يرعاني وغنمه معا) "وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ" سورة يوسف - الآية .13
كان بايزيد أحد المريدين الصادقين في الزاوية، من العارفين بالله الذين أفنوا حياتهم في خدمة الشيخ أحمد العلاوي (قدس الله روحه) وفي ذكر الله. كان أبو يزيد من تلامذة الشيخ المعمّرين، قد زهد في الدنيا وكرس نفسه لخدمة الزاوية، فكان يعتني بممتلكاتها ويحفظ أغنامها ويرعاها بكل صدق واجتهاد. كان من أكثر المريدين إخلاصًا، وكان يخرج يوميًا لرعي الأغنام في مكان بعيد عن الزاوية، حيث يجد نفسه بين الطبيعة ويستشعر السكينة.
في أحد الأيام، خرج بايزيد كما اعتاد لرعي الأغنام، وعندما وصل إلى مكان المرعى، اختار شجرة ليجلس تحتها ويستريح قليلاً. غلبه النعاس، وراح في نومه، ليأتيه في حلمه الشيخ العلاوي (قدس الله روحه)، وقد ناداه بصوت حاد قائلاً: "يا بايزيد، انتبه، الذئب قريب منك، سيهاجم أحد أغنامك!"
استفاق أبو يزيد مفزوعًا، وفتح عينيه ليتفاجأ بما رآه. كان ذئبٌ بالفعل يقترب من إحدى الأغنام، ويكاد ينقض عليها. دون تردد، ركض بايزيد نحوه وطرده بسرعة، محاولًا إنقاذ الأغنام من خطر الذئب.
لكن بعد أن هدأ الوضع، جلس بايزيد متأملًا في ما حدث. "ظننتني كنت أرعى أغنام الشيخ، في حين أنه هو من كان يرعاني وغنمه معًا"، قالها أبو يزيد وهو يضحك على حكمته من الرؤية. أدرك أن الرعاية الحقيقية لا تقتصر على حفظ الممتلكات أو العناية الظاهرة، بل هي تدبير إلهي شامل، وأن الشيخ العلاوي كان هو من يوجهه، يرعاه، ويوجهه في كل خطوة، حتى في تلك اللحظة.
من هنا، يتعلم المريدون من هذه الواقعة أن هناك حكمة عميقة وراء ما قد يبدو لهم محنة أو امتحانًا. فقد تحدث مشايخ السلسلة عن "الذئب" في طريق السالكين إلى الله، مشيرين إلى أنه ليس غريبًا في طريق الفقراء والمجاهدين. الذئب في هذا السياق يمثل التحديات والصعاب التي يواجهها المريد في سيره إلى الله. وأحيانًا، يتخذ الذئب صورة الأعداء أو المشاكل التي تظهر في صورة معقدة، قد تتنكر أحيانًا في زي العلماء أو القدوات، لتظل الأمانة والصدق هما الأساس الذي يعصم السالك من السقوط في شِباك الفتن.
ويتذكر أحد المتأخرين، أنه في يومٍ من الأيام، طلب من أحد المقدمين العلاويين أن يُعزل "الذئاب" عن الزاوية، حتى يعيش الجميع في سلام ووئام. لكن كان الجواب حكيمًا جدًا من المقدم، إذ قال له:
- "إن الذئب في طريق القوم مقام واختصاص، وأنه لا مفر منه ولا خلاص. فسنة الله في خلقه أنه جعل لكل منا مقامًا معلومًا، وكل مقام وجوده مفروض ومحتوم. ولهذا فأخشى ما يجب أن تخشاه يا مريدي على نفسك، أن تتوهم في التوزيع العادل للاختصاصات، فتحاول إزاحة اختصاص متجسد في فلان أو علان، متناسياً أن الله خلق كل شيء بقدر. فتقفو ما ليس لك به علم، وتعجل بإزاحة أخيك، فيستبدله الله وبمقامه واختصاصه يبتليك... فإياك أن تظن نفسك على صواب دائمًا. من الظالم ومن هو المظلوم؟ ومن هو المذنب؟ هل هو ذئب جائع؟ أم نعجة انحرفت بغفلتها إلى القدر المحتوم؟"
ثم أضاف المقدم، بتأكيد شديد:
- "إن أخوف ما أخافه عليكم يا مريدي، هو الغفلة، وما أدراك ما الغفلة! فالغفلة عندما تستحوذ على الإنسان، تجعله مجرد وسيلة لذئب جائع. قد يكون ذئب الجهل أو الفتن الذي يتربص بنا، وقد يكون ذئب النفس الذي يسعى إلى إغواء القلب والابتعاد عن اليقظة. ومن استحوذت عليه الغفلة، يصبح فريسة سهلة للفتن والآثام."
روي عن الشيخ مولاي العربي الدرقاوي رضي الله عنه وعن جميع إخوانه من أهل الخير والصلاح والبركة أنه قال ذات مرة: "طريقتنا طريقة الأسود ولا تخلو من خنازير وقرود", فأهل الله رضي الله عنهم أجمعين لهم نفس التوجه والتربية والتعليم الذي يحافظون به على الأمانة العظمى الملقاة على عاتقهم. نسأل الله تعالى حسن الصواب والرشاد والخاتمة.
العبرة الأخلاقية:
الرعاية الحقيقية لله تعالى:
كما أرعى الشيخ العلاوي أغنامه الروحية بتوجيهه واهتمامه بالمريدين، فإن الرعاية الحقيقية هي ما تقوم على التدبير الإلهي، الذي يهدي السالكين ويقودهم إلى مسارهم الصحيح. أحيانًا نعتقد أننا نرعى، ولكن الحقيقة أن الله هو من يرعانا ويرشدنا، حتى في أصغر الأمور.
الذئب في طريق السلوك:
الذئب في هذا السياق لا يمثل مجرد شر، بل هو تحديات الحياة، والاختبارات التي يمكن أن تلبس ثوب الخير أو العلم، لكنها تقود إلى الفتن. الصراع مع هذه الذئاب ليس هروبًا منها، بل تفاعل معها بحذر ووعي، ثم السير بثبات على الطريق.
الغفلة والمراقبة: الغفلة هي أخطر ما يمكن أن يواجهه السالك في طريقه إلى الله. عندما يغفل الإنسان عن فهم معنى الأحداث ومقاصدها، يصبح فريسة للفتن والمشاكل التي قد تظهر له على شكل امتحانات أو مكائد. لذا، يجب على المريد أن يكون دائمًا يقظًا، مراقبًا قلبه وأفعاله، حتى لا يصبح فريسة للذئب الجائع.
القدرة على التأمل:
على المريد أن يتعلم كيف يتأمل في الأحداث، وكيف يرى الحكمة في كل شيء، حتى في التحديات والمصائب. التوازن بين الفهم العميق والصبر على الابتلاءات هو ما يميز السالك الحقيقي في طريق الله.
الدرس النهائي:
الطريق إلى الله مليء بالتحديات، ولكن به أيضًا بركات وفرص للتعلم والنمو الروحي. تعلمنا هذه القصة كيف أن الحكمة في التعامل مع الذئاب سواء كانت فتنًا أو تحديات تكمن في التفكر العميق، والتوازن بين التصرف بحذر والتسليم الكامل لمشيئة الله.
منقول, , اقتباس وترتيب الواقعة وتفسيرها: درويش العلاوي.


تعليقات
إرسال تعليق