فقد أصدر كليمنسو قرارًا يمنع استهلاك المشروبات الكحولية داخل صفوف الجنود المسلمين في الجيش الفرنسي, وهو إجراء استُقبل بترحيب واضح من قبل الشيخ العلاوي, الذي اعتبره خطوة إيجابية تنسجم مع التعاليم الإسلامية وتحمل بعدًا أخلاقيًا واجتماعيًا يتجاوز الإطار العسكري الضيق.
وفي برقيته, لم يكتفِ الشيخ بإبداء الدعم, بل دعا صراحة إلى تعميم القرار على عموم السكان, معتبرًا أن محاربة الآفات الاجتماعية, وفي مقدمتها انتشار الكحول, لا ينبغي أن تُطبَّق بشكل انتقائي أو أن تُقصر على فئة دون أخرى. هذا الموقف يعكس رؤية إصلاحية ترى في الأخلاق العامة مسؤولية جماعية, لا قضية دينية تخص المسلمين وحدهم.
ويقرأ الباحثون هذا الخطاب باعتباره رسالة مزدوجة, فمن جهة هو تثمين لقرار يتوافق مع القيم الإسلامية, ومن جهة أخرى, تذكير ضمني بمبدأ المساواة في تطبيق القوانين داخل المجتمع الاستعماري, حيث كانت التشريعات كثيرًا ما تُفصّل على أساس الانتماء الديني أو العرقي.
كما تكشف هذه البرقية عن نهج الشيخ العلاوي في التعاطي مع السلطة الاستعمارية, إذ اختار أسلوب الحوار المباشر واللغة الهادئة بدل المواجهة الصدامية, ساعيًا إلى التأثير من داخل المنظومة القائمة, مع الحفاظ على مرجعيته الدينية ومكانته الروحية.
ولا يمكن فصل هذا الموقف عن السياق العام الذي شهد تصاعد القلق من الآثار الاجتماعية للكحول, سواء داخل الجيش أو في المدن الجزائرية, حيث رآه كثير من الإصلاحيين سببًا في تفكك القيم وانتشار السلوكيات المنحرفة.
بهذا المعنى, لا تُختزل برقية الشيخ العلاوي في كونها مراسلة بروتوكولية عابرة, بل تمثل وثيقة دالة على تداخل الدين بالسياسة, والأخلاق بالإدارة, في مرحلة دقيقة من تاريخ الجزائر, وتسلط الضوء على دور النخب الدينية في محاولة توجيه السياسات العامة, ولو ضمن هامش ضيق فرضته ظروف الاستعمار.
المصدر: برقية الشيخ بن عليوة إلى الوزير جورج كليمنصو, صحيفة صدى وهران, 28 أكتوبر 1931

تعليقات
إرسال تعليق